مجمع البحوث الاسلامية

587

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وتقول الرّوايات إنّه مرض مرضا شديدا ، فنذر للّه لئن عافاه ليمتنعنّ - تطوّعا - عن لحوم الإبل وألبانها ، وكانت أحبّ شيء إلى نفسه ، فقبل اللّه منه نذره . وجرت سنّة بني إسرائيل على اتّباع أبيهم في تحريم ما حرّم ، كذلك حرّم اللّه على بني إسرائيل مطاعم أخرى عقوبة لهم على معصيات ارتكبوها . وأشير إلى هذه المحرّمات في آية الأنعام وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ . . . الأنعام : 146 ، وكانت قبل هذا التّحريم حلالا لبني إسرائيل . يردّهم اللّه سبحانه إلى هذه الحقيقة ، ليبيّن أنّ الأصل في هذه المطاعم هو الحلّ ، وأنّها إنّما حرّمت عليهم لملابسات خاصّة بهم . فإذا أحلّها للمسلمين فهذا هو الأصل الّذي لا يثير الاعتراض ، ولا الشّكّ في صحّة هذا القرآن ، وهذه الشّريعة الإلهيّة الأخيرة . ويتحدّاهم أن يرجعوا إلى التّوراة ، وأن يأتوا بها ليقرأوها ، وسيجدون فيها أنّ أسباب التّحريم خاصّة بهم ، وليست عامّة . ( 1 : 433 ) الطّباطبائيّ : وقوله : إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ استثناء من الطّعام المذكور آنفا ، وقوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ متعلّق ب ( كان ) في الجملة الأولى ، والمعنى لم يحرّم اللّه قبل نزول التّوراة شيئا من الطّعام على بني إسرائيل إلّا ما حرّم إسرائيل على نفسه . وفي قوله تعالى : قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ دلالة على أنّهم كانوا ينكرون ذلك ، أعني حلّيّة كلّ الطّعام عليهم قبل التّوراة ، ويدلّ عليه أنّهم كانوا ينكرون النّسخ في الشّرائع ويحيلون ذلك - كما مرّ ذكره في ذيل قوله تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها . . . البقرة : 106 - فهم كانوا ينكرون بالطّبع قوله تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ النّساء : 160 . وكذا يدلّ قوله تعالى بعد : قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً آل عمران : 95 ، أنّهم كانوا يجعلون ما ينكرونه من حلّيّة كلّ الطّعام عليهم قبل التّوراة ، وكون التّحريم إنّما نزل عليهم لظلمهم بنسخ الحلّ بالحرمة وسيلة إلى إلقاء الشّبهة على المسلمين ، والاعتراض على ما كان يخبر به رسول اللّه عليه السّلام عن ربّه أنّ دينه هو ملّة إبراهيم الحنيف ، وهي ملّة فطريّة لا إفراط فيها ولا تفريط ، كيف ؟ وهم كانوا يقولون : إنّ إبراهيم كان يهوديّا على شريعة التّوراة ، فكيف يمكن أن تشتمل ملّته على حلّيّة ما حرّمتها التّوراة ، والنّسخ غير جائز ؟ فقد تبيّن أنّ الآية إنّما تتعرّض لدفع شبهة أوردتها اليهود ، ويظهر من عدم تعرّض الآية لنقل الشّبهة عنهم ، كما يجري عليه القرآن في غالب الموارد ، كقوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ المائدة : 64 ، وقوله : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً البقرة ، 80 ، وقوله : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ البقرة : 88 ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة . وكذا قوله تعالى بعد عدّة آيات : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ إلى أن قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ الآيات ، آل عمران 99 ، 100 .