مجمع البحوث الاسلامية
584
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
أن لا يطعم عرقا ، قال : فلذلك اليهود تنزع العروق من اللّحم ، وقال بمثل هذا القول قتادة وأبو مجلز وغيرهم . وقال ابن عبّاس والحسن بن أبي الحسن وعبد اللّه بن كثير ومجاهد أيضا : إنّ الّذي حرّم إسرائيل هو لحوم الإبل وألبانها ، ولم يختلف فيما علمت أن سبب التّحريم هو بمرض أصابه ، فجعل تحريم ذلك شكرا للّه تعالى إن شفي . وقيل : هو وجع عرق النّساء . وفي حديث عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : أنّ عصابة من بني إسرائيل قالوا له : يا محمّد ما الّذي حرّم إسرائيل على نفسه ؟ فقال لهم : أنشدكم باللّه هل تعلمون أنّ يعقوب مرض مرضا شديدا فطال سقمه منه ، فنذر للّه نذرا إن عافاه اللّه من سقمه ليحرّمنّ أحبّ الطّعام والشّراب إليه ، وكان أحبّ الطّعام إليه لحوم الإبل وألبانها ؟ قالوا : اللّهمّ نعم ، وظاهر الأحاديث والتّفاسير في هذا الأمر أنّ يعقوب عليه السّلام حرّم لحوم الإبل وألبانها ، وهو يحبّها ، تقرّبا إلى اللّه بذلك ؛ إذ ترك التّرفّه والتّنعّم من القرب ، وهذا هو الزّهد في الدّنيا ، وإليه نحا عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه بقوله : إيّاكم وهذه المجازر ، فإنّ لها ضراوة كضراوة الخمر . ومن ذلك قول أبي حازم الزّاهد ، وقد مرّ بسوق الفاكهة فرأى محاسنها ، فقال : موعدك الجنّة إن شاء اللّه ، وحرّم يعقوب عليه السّلام أيضا العروق ، لكن بغضة لها لما كان امتحن بها ، وهذا شيء يعتري نفوس البشر في غير ما شيء ، وليس في تحريم العروق قربة فيما يظهر ، واللّه أعلم . وقد روي عن ابن عبّاس : أنّ يعقوب حرّم العروق ولحوم الإبل ، وأمر اللّه نبيّه محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم أن يأمرهم بالإتيان بالتّوراة ، حتّى يبيّن منها كيف الأمر . المعنى : فإنّه أيّها اليهود ، كما أنزل اللّه عليّ لا كما تدّعون أنتم . قال الزّجّاج : وفي هذا تعجيز لهم وإقامة الحجّة عليهم ، وهي كقصّة المباهلة مع نصارى نجران . ( 1 : 472 ) الطّبرسيّ : اختلفوا في ذلك الطّعام . . . [ ثمّ ذكر الأقوال وقال : ] واختلف في أنّه عرق ، كيف حرّمه على نفسه ؟ فقيل : بالاجتهاد ، وقيل : بالنّذر ، وقيل : بنصّ ورد عليه ، وقيل : حرّمه كما يحرّم المستظهر في دينه من الزّهّاد اللّذّة على نفسه . [ ثمّ ذكر نحو الطّوسيّ ] ( 1 : 475 ) الفخر الرّازيّ : [ نقل أقوال المفسّرين ثمّ قال : ] ظاهر الآية يدلّ على أنّ إسرائيل حرّم ذلك على نفسه . وفيه سؤال ، وهو أنّ التّحريم والتّحليل إنّما يثبت بخطاب اللّه تعالى ، فكيف صار تحريم يعقوب عليه السّلام سببا لحصول الحرمة ؟ وأجاب المفسّرون عنه من وجوه : الأوّل : أنّه لا يبعد أنّ الإنسان إذا حرّم شيئا على نفسه فإنّ اللّه يحرّمه عليه . ألا ترى أنّ الإنسان يحرّم امرأته على نفسه بالطّلاق ، ويحرّم جاريته بالعتق ، فكذلك جائز أن يقول اللّه تعالى : إن حرّمت شيئا على نفسك فأنا أيضا أحرّمه عليك . الثّاني : أنّه عليه الصّلاة والسّلام ربّما اجتهد فأدّى اجتهاده إلى التّحريم ، فقال بحرمته . وإنّما قلنا : إنّ الاجتهاد جائز من الأنبياء لوجوه :