مجمع البحوث الاسلامية
496
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
حرف أي طرف ، أو الانصراف إلى الحرف وهو المكان البعيد ، التّحرّف : مزايلة المكان المستقرّ فيه والعدول إلى أحد جوانبه ، الزّوال عن جهة الاستواء إلى جهة الحرف وهو طرف الشّيء ، الابتعاد جانبا من الوسط نحو الأطراف والجوانب ، أو من جانب إلى جانب - فيرجع إلى المحور الثّالث - ونحوها ممّا اتّحد معناه واختلف مغزاه ، فالمعنى هو الانحراف إلى جانب قولا واحدا ، والمغزى مردّد بين إغراء العدوّ ( حيلة ) بالفرّ والكرّ ، وبين تدبير أصلح وأحكم وسدّ حاجة أهمّ . 7 - ولمّا كان من معاني باب « التّفعّل » المعاناة في عمل ، مثل « التّكسّب » وهو الكسب بمشقّة ، و « التّمشّي » : وهو المشي بصعوبة وبنحو غير معتاد . وعليه فلك أن تقول : مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أي يخرج وينحرف عن قتاله بمعاناة إلى قتال آخر . 8 - وقالوا في ( أو متحيّزا إلى فئة ) قولا واحدا وهو التّحيّز إلى طائفة من المسلمين ، ليستعين بهم فيرجع إلى القتال غير منهزم ، أو انضماما إلى فئة أخرى من المسلمين ، أو إلى قواعد المسلمين ليتعاودوا القتال ، ونحوها ، لاحظ « ح ي ز : متحيّزا » . المحور الثّالث : عبادة اللّه على حرف ( 6 ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ . . . ، وهذه قسيم لما قبلها : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ * ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وقد كرّرت في آيات قبلها هكذا : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ الحجّ : 3 ، وفيها بحوث : 1 - يبدو من ملاحظة الآيات الثّلاث ولواحقها أنّ النّاس المنحرفين عن الحقّ طائفتان : الطّائفة الأولى : وهم الّذين يجادلون في اللّه ، ليسوا على شكّ من أمرهم بل هم على يقين في المزاعم الباطلة في اللّه ، تابعين للشّيطان من غير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، مستكبرين ، مضلّين عباد اللّه عن الصّراط المستقيم عمدا وعنادا ، كما جاء في الآيتين ( 3 و 8 ) من هذه السّورة . وقد فرّق أبو مسلم بينهما - كما حكاه الفخر الرّازيّ ( ج 23 : 10 ) - « بأنّ الأولى في الأتباع المقلّدين ، والثّانية في المتبوعين غير المقلّدين ، وأنّ كلّا من المجادلين جادل بغير علم ، وإن كان أحدهما تبعا والآخر متبوعا ، بيّن ذلك قوله : وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ فإنّ مثل ذلك لا يقال في المقلّد ، وإنّما يقال فيمن يخاصم بناء على شبهة » . وحكاه الطّباطبائيّ ( ج 14 : 348 ) عن كشف الكشّاف ، وأيّده بقوله : « وهو كذلك بدليل قوله هنا ذيلا : لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وقوله هناك : وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ . والإضلال من شأن « المقلّد بفتح اللّام ، والاتّباع من شأن المقلّد بكسر اللّام » . وفي هذا الفرق نظر فكلّ منهما يتّبع الشّيطان ويجادلون في اللّه من دون علم مضلّين لغيرهم ، إلّا أنّ اللّه كرّرهم للاهتمام بهم ، وفرّق أوصافهم بين الآيتين . الطّائفة الثّانية : هم الّذين يعبدون اللّه على حرف ، أي ليسوا على يقين يلتزمون به في كلّ حال ، بل حالهم