مجمع البحوث الاسلامية

489

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

موصول باللّه ، مطمئنّ بهذا الاتّصال . أمّا ذلك الصّنف من النّاس الّذي يتحدّث عنه السّياق ، فيجعل العقيدة صفقة في سوق التّجارة فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وقال : إنّ الإيمان خير ، فها هو ذا يجلب النّفع ، ويدرّ الضّرع ، وينمي الزّرع ، ويربح التّجارة ويكفل الرّواج وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ خسر الدّنيا بالبلاء الّذي أصابه فلم يصبر عليه ، ولم يتماسك له ، ولم يرجع إلى اللّه فيه . وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه ، وانكفائه عن عقيدته ، وانتكاسه عن الهدى الّذي كان ميسّرا له . والتّعبير القرآنيّ يصوّره في عبادته للّه ( على حرف ) غير متمكّن من العقيدة ، ولا متثبّت في العبادة ، يصوّره في حركة جسديّة متأرجحة قابلة للسّقوط عند الدّفعة الأولى ، ومن ثمّ ينقلب على وجهه عند مسّ الفتنة ، ووقفته المتأرجحة تمهّد من قبل لهذا الانقلاب ! إنّ حساب الرّبح والخسارة يصلح للتّجارة ، ولكنّه لا يصلح للعقيدة ، فالعقيدة حقّ يعتنق لذاته ، بانفعال القلب المتلقّي للنّور ، والهدى الّذي لا يملك إلّا أن ينفعل بما يتلقّى . والعقيدة تحمل جزاءها في ذاتها ، بما فيها من طمأنينة وراحة ورضى ، فهي لا تطلب جزاءها خارجا عن ذاتها . والمؤمن يعبد ربّه شكرا له على هدايته إليه ، وعلى اطمئنانه للقرب منه والأنس به ، فإن كان هنالك جزاء فهو فضل من اللّه ومنّة ، استحقاقا على الإيمان أو العبادة . والمؤمن لا يجرّب إلهه ، فهو قابل ابتداء لكلّ ما يقدّره له ، مستسلم ابتداء لكلّ ما يجرّ به عليه ، راض ابتداء بكلّ ما يناله من السّرّاء والضّرّاء . وليست هي صفقة في السّوق بين بائع وشار ، إنّما هي إسلام المخلوق للخالق ، صاحب الأمر فيه ، ومصدر وجوده من الأساس . ( 4 : 2412 ) عزّة دروزة : ( على حرف ) على طرف ، والمقصد على غير اطمئنان وإيمان صادق . وفي هذه الآيات إشارة تنديديّة ثالثة إلى فريق من النّاس يعبد اللّه على غير اطمئنان وإيمان صادق ، ويكون طرفا مذبذبا ، فإذا أصابه خير اطمأنّ وابتهج به ، وإذا أصابه شرّ انقلب عن موقفه ، وجحد ما كان عليه ، وأخذ يدعو غير اللّه الّذي لا ينفعه ولا يضرّه ، بل والّذي ضرره هو الأوكد . وفي هذا من الخسران الدّنيويّ والأخرويّ والضّلال البعيد ما فيه . ( 7 : 79 ) ابن عاشور : تمثيل لحال المتردّد في عمله ، يريد تجربة عاقبته بحال من يمشي على حرف جبل أو حرف واد ، فهو متهيّء لأن يزلّ عنه إلى أسفله فينقلب . ( 17 : 154 ) مغنيّة : في الآية السّابقة ذكر سبحانه من يكفر باللّه ، ويجادل فيه بغير علم ، وفي هذه الآية ذكر الّذي يعبد اللّه على حرف . واختلف المفسّرون في المراد منه على أقوال ؛ منها : أنّه يعبد اللّه على شكّ في دينه . ومنها : أنّه يعبده بلسانه دون قلبه ، إلى غير ذلك . ولا وجه لهذا الاختلاف ، لأنّ اللّه قد بيّن هذا الّذي يعبده على حرف ، وفسّره بقوله : فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ . . . . ومحصّل المعنى : أنّ الّذي يعبد اللّه على حرف هو