مجمع البحوث الاسلامية

339

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فجاء مثبتا . وثانيا : أنّ الآيات كلّها تشريع ومدنيّ - على خلاف في الحجّ - سوى ( 10 و 11 ) فمكّيّ ، راجع إلى العقيدة ، وقريب منهما ( 9 ) إلّا أنّها مدنيّة ، وصدرها تشريع . وثالثا : جاء نكرة دائما عقيب النّفي فيفيد الشّمول والعموم ، سوى ( 11 ) فلا تفيد العموم بنفسه ، إلّا بحسب العموم في صدرها . ورابعا : دلّت ثلاث منها بعمومها ولا سيّما ( 1 و 2 ) على قاعدة « نفي الحرج » من القواعد الأصوليّة والفقهيّة - كما سبق في النّصوص - ولفظ ( من ) فيها يقوّي عمومها ، والباقي ممّا جاء تشريعا ، فهي من مصاديق تلك القاعدة ، وقد طبّقت على مواضعها ، فتكون عونا لتلك القاعدة . وقد أدخل الفخر الرّازيّ فيها قاعدة « نفي الضّرر » وهي قاعدة فقهيّة أخرى مستقلّة ، لكنّهما بملاك واحد وهو تبعيد المشقّة ، وتوفير السّعة على الأمّة . وخامسا : احتجّت المعتزلة بآيات رفع الحرج على بطلان تكليف ما لا يطاق ؛ حيث إنّه إذا لم يرد اللّه الحرج والضّيق على العباد وهو ممّا يطاق ، فإنّه لا يريد منهم ما لا يطاق بطريق أولى . لاحظ « ج ب ر ، وخ ي ر » . وسادسا : أريد بهذه الآيات رفع الحرج من اللّه في تكاليفه ، وبالباقي النّهي عن الحرج في الصّدور . وسابعا : ما تقدّم كان من المسائل العامّة في هذه الآيات ، أمّا كلّ واحدة منها ففيها بحوث : 1 - جاء في ( 1 ) ما يُرِيدُ اللَّهُ و يُرِيدُ نفيا للحرج ، وإثباتا للتّطهير في الوضوء والغسل فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ المائدة : 6 . فبدأ فيها بالوضوء والغسل ، ثمّ ذكر الرّخص فيهما بذكر التّيمّم ، وذيّلها ب ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ . فالمراد بها رفع الحرج بتشريع تلك الرّخص وصولا إلى التّطهير بسهولة . وفي هذه الآية بحث طويل ليس هاهنا محلّه . لاحظ « غ س ل ، وم س ح ، وي م م » . 2 - جاء في ( 2 ) نفي الحرج في الدّين وهي وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا . . . . فأمر فيها أوّلا : بالجهاد في اللّه - أي في سبيله - حقّ جهاده ، والمراد به السّعي والجهد في الطّاعة دون القتال في المعركة ، وهذا يعمّ كلّ أعمال الخير ، ثمّ نفي الحرج في الدّين ثانيا ، فيشمل وضع الأحكام ابتداء والرّخص استمرارا ، ولا وجه لاختصاصه بالرّخص ، ولا بحكم خاصّ كتعدّد الزّوجات ، أو قبول التّوبة وغيرهما ممّا جاء في النّصوص . وقد ذكر الماورديّ فيه خمسة وجوه ، خامسها العموم ، وهو الحقّ وعليه الأكثر .