مجمع البحوث الاسلامية
232
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
المسيّب وغيرهم مثل قول مالك : إنّ الإمام مخيّر ، ومن حجّة هذا القول أنّ ما كان في القرآن « أو ، أو » ، فإنّه للتّخيير ، كقوله تعالى : فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ البقرة : 196 ، وكآية كفّارة اليمين وآية جزاء الصّيد . ورجّح الطّبريّ القول الآخر وهو أحوط للمفتي ولدم المحارب ، وقول مالك أسدّ للذّريعة وأحفظ للنّاس والطّرق ، والمخيف في حكم القاتل ، ومع ذلك فما لك يرى فيه الأخذ بأيسر العقوبات استحسانا . وذكر الطّبريّ عن أنس بن مالك أنّه قال : سأل رسول اللّه جبرئيل عليهما السّلام عن الحكم في المحارب ، فقال : من أخاف السّبيل وأخذ المال فاقطع يده للأخذ ، ورجله للإخافة ، ومن قتل فاقتله ، ومن جمع ذلك فاصلبه . وبقي النّفي للمخيف فقط . وقوله تعالى : يُحارِبُونَ اللَّهَ تغليظ جعل ارتكاب نهيه محاربة ، وقيل : التّقدير يحاربون عباد اللّه ، ففي الكلام حذف مضاف . ( 2 : 183 ) ابن العربيّ : فيها اثنتا عشرة مسألة : المسألة الأولى : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ظاهرها محال ؛ فإنّ اللّه سبحانه لا يحارب ولا يغالب ولا يشاقّ ولا يحادّ لوجهين : أحدهما : ما هو عليه من صفات الجلال ، وعموم القدرة والإرادة على الكمال ، وما وجب له من التّنزّه عن الأضداد والأنداد . الثّاني : أنّ ذلك يقتضي أن يكون كلّ واحد من المتحاربين في جهة وفريق عن الآخر . والجهة على اللّه تعالى محال ، وقد قال جماعة من المفسّرين : لما وجب من حمل الآية على المجاز ، معناه يحاربون أولياء اللّه ، وعبّر بنفسه العزيزة سبحانه عن أوليائه إكبارا لإذايتهم ، كما عبّر بنفسه عن الفقراء في قوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً البقرة : 245 ؛ لطفا بهم ورحمة لهم ، وكشفا للغطاء عنه بقوله في الحديث الصّحيح : عبدي مرضت فلم تعدني ، وجعت فلم تطعمني ، وعطشت فلم تسقني ، فيقول : وكيف ذلك وأنت ربّ العالمين ؟ فيقول : مرض عبدي فلان ، ولو عدته لوجدتني عنده . وذلك كلّه على البارئ سبحانه محال ، ولكنّه كني بذلك عنه تشريفا له ، كذلك في مسألتنا مثله . وقد قال المفسّرون : إنّ الحرابة هي الكفر ، وهي معنى صحيح ، لأنّ الكفر يبعث على الحرب ؛ وهذا مبيّن في مسائل الخلاف . المسألة الثّانية : في سبب نزولها ، وفيها خمسة أقوال : الأوّل : أنّها نزلت في أهل الكتاب ؛ نقضوا العهد ، وأخافوا السّبيل ، وأفسدوا في الأرض ، فخيّر اللّه نبيّه فيهم . الثّاني : نزلت في المشركين ، قاله الحسن . الثّالث : نزلت في عكل أو عرينة ، قدم منهم نفر على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة وتكلّموا بالإسلام ، فقالوا : يا نبيّ اللّه ؛ إنّا كنّا أهل ضرع ، ولم نكن أهل ريف ، واستوخموا المدينة ، فأمر لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذود وراع ، وأمرهم أن يخرجوا فيه ، فيشربوا من ألبانها وأبوالها ، فانطلقوا حتّى إذا كانوا بناحية الحرّة كفروا بعد إسلامهم ، وقتلوا راعي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، واستاقوا الذّود . فبلغ ذلك النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فبعث الطّلب في آثارهم ، فأمر بهم فسملوا أعينهم ، وقطعوا أيديهم ،