مجمع البحوث الاسلامية

195

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

هذا المجرم وبينه تعالى شيء مخوّف آخر حتّى يتّقى عنه بشيء أو يتحصّن منه بحصن ، وإنّما هو اللّه الّذي لا عاصم منه ، ولا أنّ بينه وبين اللّه سبحانه أمر مرجوّ في دفع الشّرّ عنه من وليّ ولا شفيع . ففي الكلام أشدّ التّهديد ، ويزيد في اشتداده تكراره مرّتين في مقام واحد ، ويؤكّده تذييله أوّلا بقوله : وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ، وثانيا بقوله : وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ على ما سيجيء من بيانه . ومن جهة أخرى : يظهر من مطاوي هذه الآية وسائر الآيات النّاهية عن اتّخاذ غير المؤمنين أولياء ، أنّه خروج عن زيّ العبوديّة ، ورفض لولاية اللّه سبحانه ، ودخول في حزب أعدائه لإفساد أمر الدّين . وبالجملة هو طغيان وإفساد لنظام الدّين الّذي هو أشدّ وأضرّ بحال الدّين ، من كفر الكافرين وشرك المشركين ، فإنّ العدوّ الظّاهر عداوته المبائن طريقته ، مدفوع عن الحومة سهل الاتّقاء والحذر ، وأمّا الصّديق والحميم إذا استأنس مع الأعداء ودبّ فيه أخلاقهم وسننهم ، فلا يلبث فعاله إلّا أن يذهب بالحومة وأهلها من حيث لا يشعرون ، وهو الهلاك الّذي لا رجاء للحياة والبقاء معه . وبالجملة هو طغيان ، وأمر الطّاغي في طغيانه إلى اللّه سبحانه نفسه ، قال تعالى : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ . . . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ الفجر : 6 - 14 ، فالطّغيان يسلك بالطّاغي مسلكا يورده المرصاد الّذي ليس به إلّا اللّه جلّت عظمته ، فيصبّ عليه سوط عذاب ولا مانع . ومن هنا يظهر : أنّ التّهديد بالتّحذير من اللّه نفسه في قوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ لكون المورد من مصاديق الطّغيان على اللّه بإبطال دينه وإفساده . ويدلّ على ما ذكرناه قوله تعالى : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ . . . ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ هود : 112 ، 113 ، وهذه آية ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : أنّها شيّبته - على ما في الرّواية - فإنّ الآيتين - كما هو ظاهر للمتدبّر - ظاهرتان في أنّ الرّكون إلى الظّالمين من الكافرين طغيان يستتبع مسّ النّار استتباعا لا ناصر معه ، وهو الانتقام الإلهيّ لا عاصم منه ولا دافع له ، كما تقدّم بيانه . ومن هنا يظهر أيضا : أنّ في قوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ؛ ، دلالة على أنّ التّهديد إنّما هو بعذاب مقض قضاء حتما ، من حيث تعليق التّحذير باللّه نفسه الدّالّ على عدم حائل يحول في البين ، ولا عاصم من اللّه سبحانه وقد أوعد بالعذاب ، فينتج قطعيّة الوقوع ، كما يدلّ على مثله قوله في آيتي سورة هود : فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ . . . وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ . [ إلى أن قال : ] ذكر التّحذير ثانيا يعطي من أهمّيّة المطلب والبلوغ في التّهديد ما لا يخفى ، ويمكن أن يكون هذا التّحذير الثّاني ناظرا إلى عواقب المعصية في الآخرة ، كما هو موردنظر هذه الآية ، والتّحذير الأوّل ناظرا إلى وبالها في الدّنيا أو في الأعمّ من الدّنيا والآخرة . ( 3 : 153 ، 157 ) مكارم الشّيرازيّ : فاللّه ينذر النّاس بغضب منه وبعقاب شديد . [ إلى أن قال : ] وَيُحَذِّرُكُمُ في الجزء الأوّل من هذه العبارة يحذّر اللّه النّاس من عصيان أوامره ، وفي الجزء الثّاني يذكّرهم برأفته . ويبدو أنّ هذين الجزءين هما - على عادة القرآن