مجمع البحوث الاسلامية
104
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
متكلّما بعد أن لم يكن متكلّما ، فإنّه وصف له بالكمال بعد النّقص ، وإنّه صار محلّا للحوادث الّتي كمل بها بعد نقصه ، ثمّ حدوث ذلك الكمال لا بدّ له من سبب . والقول في الثّاني كالقول في الأوّل ، ففيه تجدّد جلاله ودوام أفعاله ، انتهى ملخّصا . ( 11 : 4245 ) عزّة دروزة : تعليق على كلمة « محدث » وعلى مسألة خلق القرآن . ولقد وقف علماء الكلام عند كلمة ( محدث ) حيث اتّخذها بعضهم دليلا على حدوث القرآن ، وأوّلها بعضهم بما يجعل هذا الاستدلال في غير محلّه ، لأنه يؤدّي إلى القول : بأنّ القرآن حادث وهو كلام اللّه ، كما جاء في آية التّوبة هذه وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ والكلام من صفات اللّه القديمة بقدمة الّتي لا يصحّ عليها حدوث وخلق . والكلمة في مقامها واضحة الدّلالة على أنّها إنّما قصدت « آيات جديدة النّزول » ولا تتحمّل إثارة المعنى الّذي أريد الجدل حوله . ومسألة خلق القرآن من المسائل الكلاميّة الشّهيرة الّتي أدّت إلى فتنة شديدة في زمن المأمون الخليفة العبّاسيّ ، وامتدّت نحو عشرين سنة ، واضطهد وعذّب في سبيلها علماء كثيرون على رأسهم الإمام أحمد بن حنبل ، لأنّهم أريدوا على القول بإيعاز من المعتزلة : بأنّ القرآن مخلوق فأبوا . وهذه المسألة متفرّعة عن مسألة أعمّ ، وهي الخلاف على صفات اللّه بين أهل السّنّة والمعتزلة . فالمعتزلة قالوا : إنّ صفات اللّه هي ذات اللّه ، فهو عالم بذاته قادر بذاته متكلّم بذاته إلخ ، أي بدون علم وقدرة وكلام زائد عن ذاته أو غير ذاته ، على اعتبار أنّ الذّهاب إلى كون صفات اللّه القديمة بقدمه غير ذاته هو تعدّد للّه القديم الّذي يستحيل عليه التّعدّد . وأهل السّنّة قالوا : إنّ لصفات اللّه معنى زائدا عن ذاته ، فهو عالم بعلم وقادر بقدرة ومتكلّم بكلام ، واحترزوا بهذا لمنع تعدّد اللّه القديم بتعدّد صفاته ، لأنّهم مثل المعتزلة يعتقدون باستحالة التّعدّد في حقّ اللّه . ثمّ انجرّ الخلاف إلى صفة كلام اللّه وماهيّة القرآن باعتباره كلام اللّه ، فقال فريق من أهل السّنّة : إنّ اللّه متكلّم بكلام أزليّ قديم زائد عن ذاته وغير منفكّ عنها ، وإنّ القرآن معنى قائم بذات اللّه ، وقيّدوا أنّهم لا يعنون بذلك الحروف والأصوات المقروءة المسموعة المكتوبة ، ومثّلوا على ذلك بالفرق بين ما يدور في خلد الإنسان من كلام دون أن ينطق به ، فهو شامل في أيّ واحد لجميع الكلام الّذي يدور في الخلد . أمّا الحروف والأصوات المقروءة المسموعة المكتوبة من القرآن ، فإنّها ليس من تلك الصّفة القديمة ، وإنّما هي من الحوادث لأنّها تابعة لترتيب يتقدّم فيه حرف على حرف نطقا وكتابة وسمعا ، وهذا من سمات الأمور الحادثة . وقال فريق آخر من أهل السّنّة : إنّ حروف القرآن المكتوبة المقروءة وأصواتها المسموعة ، غير منفكّة عن صفة كلام اللّه الأزليّ القديم ، وأنّها مثلها قديمة أزليّة أيضا ليست حادثة ولا مخلوقة . أمّا المعتزلة - والشّيعة الإماميّة مثلهم في أكثر المذاهب الكلاميّة - فقد قالوا : إنّ اللّه متكلّم بذاته بدون