مجمع البحوث الاسلامية

102

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

( محدث ) : التّجدّد ، وهو يقتضي المسبوقيّة بالعدم . ( 17 : 7 ) القاسميّ : استدلّ بهذه الآية من ذهب إلى حدوث كلامه تعالى المسموع ، وهم المعتزلة والكراميّة والأشعريّة . فأمّا المعتزلة فقالوا : إنّما كان القرآن حادثا لكونه مؤلّفا من أصوات وحروف ، فهو قائم بغيره . وقالوا : معنى كونه متكلّما ، أنّه موجد لتلك الحروف والأصوات في الجسم ، كاللّوح المحفوظ أو كجبريل أو النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام ، أو غيرهم كشجرة موسى . وأما الكراميّة ، فلمّا رأوا ما التزمه المعتزلة مخالفا للعرف واللّغة ، ذهبوا إلى أنّ كلامه صفة له مؤلّفة من الحروف والأصوات الحادثة القائمة بذاته تعالى ، فذهبوا إلى حدوث الدّالّ والمدلول ؛ وجوّزوا كونه تعالى محلّا للحوادث . والأشعريّة قالوا : إنّ الكلام المتلوّ دالّ على الصّفة القديمة النّفسيّة ، الّتي هي الكلام عندهم حقيقة . قالوا : فما نزل على الأنبياء من الحروف والأصوات ، وسمعوها وبلّغوها إلى أممهم ، هو محدث موصوف بالتّغيّر والتّكثّر والنّزول . لا مدلولها الّتي هي تلك الصّفة القديمة ، والمسألة شهير ما للعلماء فيها . والقصد أنّ الآية المذكورة رآها من ذكر ، حجّة فيما ذهب إليه . وقد عدّ الإمام ابن تيميّة - عليه الرّحمة والرّضوان - هذا الاحتجاج من الأغلاط ، وعبارته في كتابه « مطابقة المنقول للمعقول » : احتجّ من يقول : بأنّ القرآن أو عبارة القرآن مخلوقة ، بهذه الآية ، مع أنّ دلالة الآية على نقيض قولهم ، أقوى منها على قولهم . فإنّها تدلّ على أنّ بعض الذّكر محدث ، وبعضه ليس بمحدث ، وهو ضدّ قولهم . والحدوث في لغة العرب العامّ ليس هو الحدوث في اصطلاح أهل الكلام ، فإنّ العرب يسمّون ما تجدّد حادثا ، وما تقدّم على غيره قديما ، وإن كان بعد أن لم يكن ، كقوله تعالى : كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ يس : 39 ، وقوله تعالى عن إخوة يوسف : تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ يوسف : 95 ، وقوله تعالى : وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ الأحقاف : 11 ، وقوله تعالى عن إبراهيم : أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ الشّعراء : 75 ، 76 انتهى . وقال العارف ابن عربيّ في الباب التّاسع والسّتّين والثّلاثمائة من « فتوحاته » في هذه الآية : المراد أنّه محدث الإتيان ، لا محدث العين ، فحدث علمه عندهم حين سمعوه . وهذا كما تقول : حدث اليوم عندنا ضيف ، ومعلوم أنّه كان موجودا قبل أن يأتي ، وكذلك القرآن جاء في موادّ حادثة تعلّق السّمع بها ، فلم يتعلّق الفهم بما دلّت عليه الكلمات . فله الحدوث من وجه والقدم من وجه . فإن قلت : فإذن الكلام للّه والتّرجمة للمتكلّم . فالجواب نعم ، وهو كذلك بدليل قوله تعالى مقسما ( إنّه ) يعني القرآن لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ الحاقّة : 40 ، فأضاف الكلام إلى الواسطة والمترجم ، كما أضافه تعالى إلى نفسه بقوله : فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ التّوبة : 6 ، فإذا تلا علينا القرآن فقد سمعنا كلام اللّه تعالى ، وموسى لمّا كلّمه ربّه سمع كلام اللّه . ولكن بين السّماعين بعد