مجمع البحوث الاسلامية
870
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
فيه أتمّ الحجّة لهم على اللّه ، وأكملها الطّوسيّ بأنّ من لم يعلم من حاله أنّ له في إنفاذ الرّسل إليه لطفا فالحجّة قائمة عليه بالعقل ، وعندنا أنّ ما ذكر تحميل على القرآن ، وإبعاد له عن العقول السّليمة إلى وساوس كلاميّة . 3 - قالت المعتزلة : دلّت الآية على أنّ العبد قد يحتجّ على الرّبّ ، وأنّ قول أهل السّنّة : لا اعتراض على اللّه بشيء باطل ، لأنّ عدم الحجّة للنّاس بعد الرّسل يقتضي أنّ لهم حجّة قبل الرّسل . وأجاب عنه الفخر الرّازيّ بأنّ المراد نفي شبه الحجّة دون الحجّة ، وقال أبو السّعود : « إنّما سمّيت حجّة تنبيها على أنّ المعذرة في القبول عنده بمقتضى كرمه ورحمته لعباده بمنزلة الحجّة القاطعة الّتي لا مردّ لها » . وعندنا أنّ اللّه نفى الحجّة للنّاس عليه لولا إرسال الرّسل إليهم ، وقد أرسلهم فلا حجّة ، وليس فيما هو غير واقع ، وهو عدم إرسال الرّسل حكم ، وهذا كما قبله وسوسة كلاميّة . 4 - قال الفخر الرّازيّ ما خلاصته : أنّ هذه الآية جواب عن شبهة اليهود الّتي سبقت في آيات قبلها : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً . . . النّساء : 153 ، حيث قالوا للنّبيّ عليه السّلام لما ذا لا ينزل القرآن دفعة في كتاب كالتّوراة ؟ فردّ اللّه عليهم في هذه الآية بأنّ المطلوب من إرسال الرّسل وإنزال الكتب تبشير النّاس وإنذارهم ، وهذا حاصل بإنزال الكتاب ، سواء نزل دفعة مكتوبا في الألواح كالتّوراة ، أو نزل منجّما ومفرّقا في غير كتاب ، كما نزل على النّبيّ عليه السّلام ، بل تنجيمه ربّما كان أسهل وأصلح لهم ليتلقّوه في فترات ، ويتحمّلوه علما وعملا . وعندنا أنّ إرجاع هذه الآية إلى تلك الآية لا يلائم السّياق ، بل هي وما قبلها : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ . . . بيان لأصل من أصول العقيدة وهي الرّسالة الّتي استمرّت في الأمم السّابقة كسنّة إلهيّة ، وهي متّصلة بما قبلها ممّا حكاها عن اليهود من الإيمان والكفر ، ومن الطّاعة والمعصية ، فلاحظ . رابعتها : ( 26 ) ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا . . . والقائلون هم المشركون المنكرون لأصل آخر من أصول العقيدة بعد التّوحيد والرّسالة ، وهو البعث والمعاد ، وتمام الآيات : وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ الجاثية : 24 - 26 ، وقد سبقتها من أوّل السّورة آيات في إثبات أصلي التّوحيد والرّسالة . وفيها بحوث : 1 - حقيقة حجّتهم على إنكار البعث والحياة بعد الممات أنّ هذا ، لو جاز أن يقع فيما بعد ، لجاز وقوعه الآن ، فأحيوا آبائنا حتّى نعترف به ، وجوابه مطويّ في ما بعدها : قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ . . . أي إذا اعترفتم باللّه الخالق القادر الحكيم العزيز فإنّه يحييكم بعد موتكم بقدرته وحكمته وعزّته . 2 - سمّي قولهم : حجّة وليس بحجّة ؟ لأنّهم ساقوه مساق الحجّة ، أو أنّه في حسبانهم حجّة ، أو سمّيت حجّة