مجمع البحوث الاسلامية

865

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

إبراهيم على أبيه وقومه في تلك الآيات ابتداء من وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ * إلى آخرها . ويدخل فيها ما جاء في آيات أخرى احتجاجا منه على التّوحيد ، ورفض الآلهة . والثّانية : ( 22 ) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ والبحث فيها في أمور : أ : الحجّة البالغة ، كما قال الطّوسيّ : « البالغة : الّتي تبلغ قطع عذر المحجوج ، وتزيل كلّ لبس وشبهة عمّن نظر فيها واستدلّ أيضا بها . وإنّما كانت حجّة اللّه صحيحة بالغة ، لأنّه لا يحتجّ إلّا بالحقّ وما يؤدّي إلى العلم » . وكما قال الزّمخشريّ : « هي عبارة عن الكلام المؤلّف للاستدلال على الشّيء » . فخصّها بالكلام وهي عامّة ، فهذا أشبه بالمصطلح في علم المنطق . وكما قال الطّبرسيّ : « هي الحجّة البيّنة الصّحيحة المصحّحة للأحكام وهي الّتي تقصد إلى الحكم بشهادته » . وكما قال القرطبيّ : « الّتي تقطع عذر المحجوج ، وتزيل الشّكّ عمّن نظر فيها » . وكما قال أبو حيّان : « الغالبة كلّ حجّة حيث خلق عقولا يفكّر بها ، وأسماعا يسمع بها ، وأبصارا يبصر بها ، وكلّ هذه مدارك للتّوحيد ولإثبات ما جاءت به الرّسل عن اللّه » . وكما قال الآلوسيّ : « بلغت غاية المتانة والقوّة على الإثبات ، أو بلغ بها صاحبها صحّة دعواه ، كعيشة راضية » . وكلّها بالغة إلّا أنّ بعضها أبلغ من بعض ، والصّواب أنّ « البالغة » صفة نفس الحجّة دون صاحبها ، وهي لغة : الكاملة التّامّة ، فتترتّب عليها كلّ ما ذكر وما لم يذكر من الآثار ، تسجيلا للحقّ ، وتسفيها للباطل . ب : ما هي هذه الحجّة ؟ فالسّياق يشهد بأنّها ناظرة إلى ما قبلها : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ الأنعام : 148 ، وقولهم فيها : وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ بدوره إشارة إلى ما ذكر قبلها في هذه السّورة في الآيات 138 - 145 ، من تحريم المشركين أشياء من الأنعام افتراء على اللّه . فقد نسبوا فيها إشراكهم وتحريمهم إلى مشيّة اللّه ، كما فعل الّذين من قبلهم ، فردّ اللّه عليهم بأنّه إن كان لكم شاهد قادكم إلى العلم بمشيئة اللّه ذلك ، فأتوا به ، ولكن ليس لهم شاهد ولا علم به ، وإن هم إلّا يظنّون ويخرصون ، فلم يجبرهم على ذلك ، بل وفّر لهم الاختيار ، فلهم أن يختاروا الإيمان ، فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ أي أمكنهم من الإيمان . فهذا بنفسه حجّة بالغة من اللّه عليهم ، وأنّهم يفترون على اللّه كمن قبلهم . ج : وهناك وجوه أخرى : قال الطّوسيّ : « يعني الحجّة الّتي احتجّ بها على الكافرين في الآية الأولى » - وأضاف - « وجميع ما احتجّ به على عباده في صحّة دينه الّذي كلّفهم إيّاه » ، ولكن هذه الإضافة ليست في تلك الآية ، بل هي مصطادة من آيات أخرى . ومثله قول بعضهم : « حجّته البالغة : تبيينه أنّه