مجمع البحوث الاسلامية
855
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
في عيسى لم يكونوا فيها على الصّواب بل كانوا مخطئين في خبره كاذبين في دعواهم فيه ، فكيف يمكن أن يسمّى محاجّة فيما لهم به « 1 » علم ؟ وكلامه تعالى على أيّ حال يثبت منهم محاجّة فيما لهم به علم ، كما يثبت لهم محاجّة فيما ليس لهم به علم ، فما هذه المحاجّة الّتي هي فيما لهم به علم ؟ على أنّ ظاهر الآية أنّ هاتين إنّما جرتا جميعا فيما بين أهل الكتاب أنفسهم ، لا بينهم وبين المسلمين ، وإلّا كان المسلمون على الباطل في الحجاج الّذي أهل الكتاب فيه على علم ، وهو ظاهر . والّذي ينبغي أن يقال - واللّه العالم - : إنّ من المعلوم أنّ المحاجّة كانت جارية بين اليهود والنّصارى في جميع موارد الاختلاف الّتي كانت بينهم ، وعمدة ذلك نبوّة عيسى عليه السّلام وما كانت تقوله النّصارى في حقّه : إنّه اللّه ، أو ابنه ، أو التّثليث . فكانت النّصارى تحاجّ اليهود في بعثته ونبوّته وهم على علم منه ، وكانت اليهود تحاجّ النّصارى ، وتبطل ألوهيّته ونبوّته والتّثليث وهم على علم منه ، فهذه محاجّتهم فيما لهم به علم . وأمّا محاجّتهم فيما ليس لهم به علم ، فمحاجّتهم في أمر إبراهيم أنّه كان يهوديّا أو نصرانيّا . وليس المراد بجهلهم به جهلهم بنزول التّوراة والإنجيل بعده وهو ظاهر ، ولا ذهولهم عن أنّ السّابق لا يكون تابعا للّاحق ، فإنّه خلاف ما يدلّ عليه قوله تعالى : أَ فَلا تَعْقِلُونَ فإنّه يدلّ على أنّ الأمر يكفي فيه أدنى تنبيه ، فهم عالمون بأنّه كان سابقا على التّوراة والإنجيل ، لكنّهم ذاهلون عن مقتضى علمهم ، وهو أنّه لا يكون حينئذ يهوديّا ولا نصرانيّا بل على دين اللّه الّذي هو الإسلام للّه . لكنّ اليهود مع ذلك قالوا : إنّ الدّين الحقّ لا يكون إلّا واحدا وهو اليهوديّة ، فلا محالة كان إبراهيم يهوديّا ، وقالت النّصارى مثل ذلك فنصّرت إبراهيم . وقد جهلوا في ذلك أمرا وليس بذهول ، وهو أنّ دين اللّه واحد ، وهو الإسلام للّه ، وهو واحد مستكمل بحسب مرور الزّمان ، واستعداد النّاس من حيث تدرّجهم بالكمال ، واليهوديّة والنّصرانيّة شعبتان من شعب كمال الإسلام الّذي هو أصل الدّين ، والأنبياء عليهم السّلام بمنزلة بناة هذا البنيان ، لكلّ منهم موقعه فيما وضعه من الأساس ، وممّا بنى عليه من هذا البنيان الرّفيع . وبالجملة فاليهود والنّصارى جهلوا أنّه لا يلزم من كون إبراهيم مؤسّسا للإسلام ، وهو الدّين الأصيل الحقّ ، ثمّ ظهور دين حقّ باسم اليهوديّة أو النّصرانيّة ، وهو اسم شعبة من شعب كماله ومراتب تمامه ، أن يكون إبراهيم يهوديّا ولا نصرانيّا بل يكون مسلما حنيفا متلبّسا باسم الإسلام الّذي أسّسه ، وهو أصل اليهوديّة والنّصرانيّة دون نفسهما ، والأصل لا ينسب إلى فرعه ، بل ينبغي أن يعطف الفرع عليه . ( 3 : 251 ) اتحاجّوننا قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ . البقرة : 139
--> ( 1 ) في الأصل : له ! !