مجمع البحوث الاسلامية

843

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وقال شيخ مشايخنا الكورانيّ : الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ إشارة إلى أنّ العلم تابع للمعلوم ، وأنّ إرادة اللّه تعالى متعلّقة بإظهار ما اقتضاه استعداد المعلوم في نفسه ، مراعاة للحكمة جودا ورحمة لا وجوبا . وهي من الحجّ بمعنى القصد ، كأنّها يقصد بها إثبات الحكم وتطلبه ، أو بمعنى الغلبة وهو المشهور ، والفاء جواب شرط محذوف ، أي إذا ظهر أن لا حجّة لكم قل : فللّه الحجّة . ( 8 : 51 ) الطّباطبائيّ : والمعنى أنّ نتيجة الحجّة قد التبست عليكم بجهلكم واتّباعكم الظّنّ وخرصكم في المعارف الإلهيّة ، فحجّتكم تدلّ على أن لا حجّة لكم في دعوته إيّاكم إلى رفض الشّرك وترك الافتراء عليه ، وإنّ الحجّة إنّما هي للّه عليكم ، فإنّه لو شاء لهداكم أجمعين وأجبركم على الإيمان وترك الشّرك والتّحريم ؛ وإذ لم يجبركم على ذلك وأبقاكم على الاختيار فله أن يدعوكم إلى ترك الشّرك والتّحريم . وبعبارة أخرى : يتفرّع على حجّتكم أنّ الحجّة للّه عليكم ، لأنّه لو شاء لأجبر على الإيمان فهداكم أجمعين ، ولم يفعل بل جعلكم مختارين يجوز بذلك دعوتكم إلى ما دعاكم إليه . وقد بيّن تعالى في طائفة من الآيات السّابقة أنّه تعالى لم يضطرّ عباده على الإيمان ، ولم يشأ منهم ذلك بالمشيئة التّكوينيّة حتّى يكونوا مجبرين عليه ، بل أذن لهم في خلافه . وهذا الإذن الّذي هو رفع المانع التّكوينيّ هو اختيار العباد ، وقدرتهم على جانبي الفعل والتّرك ، وهذا الإذن لا ينافي الأمر التّشريعيّ بترك الشّرك مثلا ، بل هو الأساس الّذي يبتني عليه الأمر والنّهي . ( 7 : 367 ) مكارم الشّيرازيّ : إنّ اللّه أقام براهين جليّة ودلائل واضحة وصحيحة في صعيد وحدانيّته ، وهكذا أقام أحكام الحلال والحرام سواء بواسطة أنبيائه أو بواسطة العقل ؛ بحيث لم يبق أيّ عذر لمعتذر : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ . وعلى هذا الأساس لا يمكن أن يدّعي أحد أنّ اللّه أمضى - بسكوته - عقائدهم وأعمالهم الباطلة ، وهكذا لا يمكن لهم قطّ أن يدّعوا أنّهم كانوا مجبورين ، لأنّهم لو كانوا مجبورين لكان إقامة الدّليل والبرهان ، وإرسال الأنبياء وتبليغهم ودعوتهم لغوا ، إنّ إقامة الدّليل دليل على حرّيّة الإرادة . على أنّه يجب الانتباه إلى أنّ ( الحجّة ) الّذي هو من « حجّ » يعني القصد ، وتطلق الحجّة على الطّريق الّذي يقصده الإنسان ، ويطلق على البرهان والدّليل الحجّة أيضا ، لأنّ القائل يقصد إثبات مدّعاه للآخرين عن طريقه . ومع ملاحظة لفظة « بالغة » يتّضح أنّ الأدلّة الّتي أقامها اللّه للبشر عن طريق العقل والنّقل وبواسطة العلم والفكر ، وكذا عن طريق إرسال الأنبياء ، واضحة ، لا لبس فيها من جميع الجهات ؛ بحيث لا يبقى أيّ مجال للتّرديد والشّكّ لأحد ، ولهذا السّبب نفسه عصم اللّه سبحانه أنبياءه من كلّ خطأ ، وذلك ليبعّدهم عن أيّ نوع من أنواع التّردّد والشّكّ ، في الدّعوة والإبلاغ . ( 4 : 467 )