مجمع البحوث الاسلامية

842

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

بمشيئة اللّه تعالى ، وإذا شاء اللّه منّا ذلك ، فكيف يمكننا تركه ؟ وإذا كنّا عاجزين عن تركه ، فكيف يأمرنا بتركه ؟ وهل في وسعنا وطاقتنا أن نأتي بفعل على خلاف مشيئة اللّه تعالى ؟ فهذا هو حجّة الكفّار على الأنبياء ، فقال تعالى : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ وذلك من وجهين : الوجه الأوّل : أنّه تعالى أعطاكم عقولا كاملة ، وأفهاما وافية ، وآذانا سامعة ، وعيونا باصرة ، وأقدركم على الخير والشّرّ ، وأزال الأعذار والموانع بالكلّيّة عنكم . فإن شئتم ذهبتم إلى عمل الخيرات ، وإن شئتم إلى عمل المعاصي والمنكرات . وهذه القدرة والمكنة معلومة الثّبوت بالضّرورة ، وزوال الموانع والعوائق معلوم الثّبوت أيضا بالضّرورة ، وإذا كان الأمر كذلك كان ادّعاؤكم أنّكم عاجزون عن الإيمان والطّاعة دعوى باطلة ، فثبت بما ذكرنا أنّه ليس لكم على اللّه حجّة بالغة ! بل للّه الحجّة البالغة عليكم . والوجه الثّاني : أنّكم تقولون : لو كانت أفعالنا واقعة على خلاف مشيئة اللّه تعالى ، لكنّا قد غلبنا اللّه وقهرناه ، وأتينا بالفعل على مضادّته ومخالفته ؛ وذلك يوجب كونه عاجزا ضعيفا ، وذلك يقدح في كونه إلها . فأجاب تعالى عنه : بأنّ العجز والضّعف إنّما يلزم إذا لم أكن قادرا على حملهم على الإيمان والطّاعة ، على سبيل القهر والإلجاء ، وأنا قادر على ذلك ، وهو المراد من قوله : فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ إلّا أنّي لا أحملكم على الإيمان والطّاعة على سبيل القهر والإلجاء ، لأنّ ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التّكليف ، فثبت بهذا البيان أنّ الّذي يقولونه : من أنّا لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة اللّه ، فإنّه يلزم منه كونه تعالى عاجزا ضعيفا ، كلام باطل . فهذا أقصى ما يمكن أن يذكر في تمسّك المعتزلة بهذه الآية . [ ثمّ ذكر ما يوافق الأشاعرة ، فلاحظ ] ( 13 : 226 ) القرطبيّ : أي الّتي تقطع عذر المحجوج ، وتزيل الشّكّ عمّن نظر فيها ، فحجّته البالغة على هذا : تبيينه أنّه الواحد ، وإرساله الرّسل والأنبياء ، فبيّن التّوحيد بالنّظر في المخلوقات ، وأيّد الرّسل بالمعجزات ، ولزم أمره كلّ مكلّف . فأمّا علمه وإرادته وكلامه فغيب لا يطّلع عليه العبد ، إلّا من ارتضى من رسول . ويكفي في التّكليف أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أمر به لأمكنه . ( 7 : 128 ) أبو حيّان : فللّه الحجّة البالغة في الاحتجاج ، الغالبة كلّ حجّة ؛ حيث خلق عقولا يفكّر بها وأسماعا يسمع بها وأبصارا يبصر بها . وكلّ هذه مدارك للتّوحيد ولاتّباع ما جاءت به الرّسل عن اللّه . قال أبو نصر القشيريّ : الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ : تبيين للتّوحيد وإبداء الرّسل بالمعجزات ، فألزم أمره كلّ مكلّف . فأمّا علمه وإرادته فغيب لا يطّلع عليه العبد ؛ ويكفي في التّكليف أن يكون العبد لو أراد أن يفعل ما أمر به مكّنه ، وخلاف المعلوم مقدور ، فلا يلتحق بما يكون محالا في نفسه ، انتهى . وفي آخر كلامه نظر . ( 4 : 247 ) الآلوسيّ : الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ أي البيّنة الواضحة الّتى بلغت غاية المتانة والقوّة على الإثبات ، أو بلغ بها صاحبها صحّة دعواه كعيشة راضية ، والمراد بها في المشهور : الكتاب والرّسول والبيان .