مجمع البحوث الاسلامية
803
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
والخلاف في أمثال هذه المسألة ناشئ عن تحكيم العقل في تفسير الآيات مستشهدا ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الشّورى : 11 ، أو التّسليم لظاهر الألفاظ كما عليه السّلف . وينبغي أن يقال : إنّ أصل النّظر والرّؤية واللّقاء ونحوها مقبول لا ينكر ، والاختلاف إنّما هو في الكيفيّة ، ومذهب العرفاء هو القول الفاصل ، وهو أنّ الرّؤية يومئذ هي الوصل والشّهود قلبا ، كما هو مطلوبهم في الدّنيا ، كما اعترف به أمير المؤمنين عليه السّلام ، وهو إمام العارفين ، « وقد سأله ذعلب اليمانيّ فقال : هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السّلام : أفأعبد مالا أرى ؟ فقال : وكيف تراه ؟ فقال : لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان » نهج البلاغة خطبة : 179 ، وهذا يوافق الآيتين ( 6 و 7 ) في معنى الحجاب تماما ، كما سبق . وقد مال إليه الفخر الرّازيّ في بعض كلامه ، مع إصراره على الرّؤية بالعيون في مواضع عديدة من تفسيره وفقا للأشاعرة ، وهو من زمرتهم . وقال سهل التّستريّ هنا : « حجبهم عن ربّهم قسوة قلوبهم في العاجل وما سبق لهم من الشّقاوة في الأوّل ، فلم يصلحوا لبساط القرب والمشاهدة ، فأبعدوا وحجبوا ، والحجاب هو الغاية في البعد والطّرد » . وقد جمع في كلامه هذا بين مسلك العرفاء في الشّهود ، ومسلك الأشاعرة في القدر . وقال ابن عطاء : « الحجاب حجابان : حجاب بعد وحجاب إبعاد ، فحجاب البعد لا تقريب فيه أبدا ، وحجاب الإبعاد يؤدّب ثمّ يقرّب كآدم عليه السّلام » . وقال الشّريف الرّضيّ بعد أن فسّر الآية بأنّهم ممنوعون من ثوابه : « ويجوز أن يكون لذلك معنى آخر ، وهو أن يكون المراد أنّهم غير مقرّبين عند اللّه سبحانه بصالح الأعمال واستحقاق الثّواب ، فعبّر عن هذا المعنى بالحجاب ، لأنّ المبعد المقصيّ يحجب عن الأبواب ويبعد من الجناب » . وقال الطّباطبائيّ : « كلّا » ردع عن كسب الذّنوب الحائلة بين القلب وإدراك الحقّ ، والمراد بكونهم محجوبين عن ربّهم يوم القيامة حرمانهم من كرامة القرب والمنزلة . . . » . وجاء نظيرها في نصوص المتأخّرين كالطّالقانيّ والمكارم وغيرهما ، فلاحظ .