مجمع البحوث الاسلامية

784

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

يكن بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله مستثنى من هذا القانون ، بل كانوا يأتون إليه سواء كان الوقت مناسبا أم غير مناسب ، ويستعيرون من نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله شيئا . ومن الواضح أنّ جعل نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله عرضة لأنظار النّاس - وإن كنّ يرتدين الحجاب الإسلاميّ - لم يكن بالأمر الحسن ، ولذلك صدر الأمر إلى النّاس أن يأخذوا الأشياء من خلف حجاب أو من خلف الباب . والمسألة الّتي ينبغي الانتباه إليها هنا هي أنّه ليس المراد من الحجاب في هذه الآية لباس النّساء ، بل هو حكم يضاف إلى ما كان خاصّا بنساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وهو : أنّ النّاس مكلّفون إذا ما أرادوا شيئا من نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أن يأخذوه من وراء حجاب لظروف نساء النّبيّ الخاصّة ، ويجب عليهنّ أن لا يخرجن إلى النّاس ويظهرن لهم في مثل هذه الموارد حتّى وإن كنّ محجّبات ، وهذا الحكم لم يرد طبعا في شأن النّساء الأخريات ، بل يكفيهنّ أن يراعين الحجاب الكافي . والشّاهد لهذا الكلام أنّ كلمة « الحجاب » وإن كانت تستعمل في المحادثات اليوميّة بمعنى حجاب المرأة ، إلّا أنّها ليس لها مثل هذا المعنى لا في كتب اللّغة ، ولا في تعبيرات فقهائنا . فالحجاب في اللّغة ، هو الشّيء الّذي يحول بين شيئين ، ولذلك أطلق على الغشاء الموجود بين الأمعاء والقلب والرّئة اسم : الحجاب الحاجز . وقد استعمل القرآن الكريم هذه الكلمة بمعنى الحائل أو السّاتر في كلّ موضع ، كالآية : 45 من سورة الإسراء ؛ حيث تقول : جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ، ونقرأ في الآية : 32 من سورة ص : حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ، وجاء في الآية : 51 من سورة الشّورى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أمّا في كلمات الفقهاء فقد استعملت كلمة « السّتر » فيما يتعلّق بلباس النّساء ، منذ قديم الأيّام وإلى يومنا هذا ، وورد أيضا في الرّوايات الإسلاميّة هذا التّعبير أو ما يشبهه . واستعمال كلمة « الحجاب » في شأن لباس المرأة اصطلاح ظهر في عصرنا على الأكثر ، وإذا وجد في التّواريخ والرّوايات فقليل جدّا . والشّاهد الآخر هو ما نقرؤه في الحديث المرويّ عن أنس بن مالك خادم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله الخاصّ ؛ حيث يقول : أنا أعلم النّاس بهذه الآية - آية الحجاب - لمّا أهديت زينب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله - كانت معه في البيت - صنع طعاما ، ودعا القوم فقعدوا يتحدّثون ، فجعل النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله يخرج ثمّ يرجع وهم قعود يتحدّثون ، فأنزل اللّه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ الأحزاب : 51 ، إلى قوله : مِنْ وَراءِ حِجابٍ فضرب الحجاب ، وقام القوم . وفي رواية أخرى عن أنس أنّه قال : أرخى السّتر بيني وبينه ، فلمّا رأى القوم ذلك تفرّقوا . بناء على هذا فإنّ الإسلام لم يأمر النّساء المسلمات بأن يجلسن خلف السّتور ، ولا يبرحن دورهنّ ، وليس لتعبير « المحجّبات » في شأن النّساء أو أمثاله من التّعبيرات صفة إسلاميّة ، أو بعد إسلاميّ ، بل إنّ ما يلزم المرأة المسلمة هو محافظتها على الحجاب الإسلاميّ ، إلّا أنّ نساء النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله قد أمرن بهذا الأمر الخاصّ بسبب وجود أعداء كثيرين ، ومتتبّعين للعيوب والمغرضين ، وكان من