مجمع البحوث الاسلامية
766
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
والحثيث « فعيل » من الحثّ ، وهو صفة مصدر محذوف ، أو حال من الفاعل بمعنى حاثّا ، أو المفعول بمعنى محثوثا . ( 1 : 352 ) مثله أبو السّعود ( 2 : 498 ) ، والبروسويّ ( 3 : 175 ) ، ونحوه الشّربينيّ ( 1 : 480 ) . ابن كثير : أي يذهب ظلام هذا بضياء هذا ، وضياء هذا بظلام هذا ، وكلّ منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا ، أي سريعا لا يتأخّر عنه . بل إذا ذهب هذا جاء هذا ، وعكسه . ( 3 : 178 ) الآلوسيّ : [ راجع « غ ش ي : يغشى » ] ( 8 : 136 ) الطّباطبائيّ قوله : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ويستره به يَطْلُبُهُ أي يطلب اللّيل النّهار ليغشيه ويستره حَثِيثاً أي طلبا حثيثا سريعا . وفيه إشعار بأنّ الظّلمة هي الأصل ، والنّهار الّذي يحصل من إنارة الشّمس ما يواجهها ممّا حولها ، عارض للّيل الّذي هو الظّلمة المخروطيّة ، اللّازمة لأقلّ من نصف كرة الأرض ، المقابل للجانب المواجه للشّمس ، كأنّ اللّيل يعقبه ويهجم عليه . ( 8 : 150 ) المصطفويّ : أي يجعل اللّيل غاشيا على النّهار ، والنّهار يطلب اللّيل ، حال كون النّهار حريصا متحاضّا طالبا ، ومسرعا إلى اللّيل . فالمفعول الأوّل هو الآخذ الغاشي ، والضّمير في « يطلب » راجع إلى القريب وهو النّهار ، وكذا في « الحثيث » فهو حال عن الطّالب . فيدلّ على أصالة النّهار والنّور والشّمس ، ثمّ اللّيل والظّلمة الطّارئة تغشاه بعروض موانع وحجب عن انتشار النّور ووصوله . وطلب النّهار : اقتضاؤه الشّديد وسوقه إليه بسرعة ، حتّى يتمّ العيش وتدوم الحياة ، وتتجدّد القوى للموجودات الحيّة ، فالنّهار يجرّ اللّيل إليه ويسوقه ، بحيث يتعاقبان في الحركة والجريان ، آنا فآنا . فالحثّ والرّغبة لا بدّ وأن يكون من جانب الموضوع والمعروض . ثمّ إنّ « الحثّ » يدلّ على البعث في السّير والسّوق وغيرهما ، و « الحضّ » لا يكون في سير ولا سوق ، كما في « مقاييس اللّغة » « حضّ » عن الخليل . فالتّعبير بالحثيث في الآية الكريمة ، إشارة إلى أنّ ( النّهار ) هو السّائق والسّائر ب ( الّيل ) في عقبه ؛ فكون النّهار حثيثا بهذا المعنى . ( 2 : 175 ) الأصول اللّغويّة 1 - الأصل في هذه المادّة : الحثّ : الحضّ ، والحثّ : الرّمل الخشن « 1 » . يقال من الأوّل : حثّه يحثّه حثّا ، واستحثّه واحتثّه وحثّثه ، أي حضّه وأعجله ، وحثثت فلانا فاحتثّ ، فهو حثيث ومحثوث ، ورجل حثيث ومحثوث : حادّ سريع في أمره ، كأنّ نفسه تحثّه . يقال : ولىّ حثيثا ، أي مسرعا حريصا . والطّائر يحثّ جناحيه في الطّيران : يحرّكهما . والحثّيثى : الاسم من الحثّ ، يقال : اقبلوا دلّيلى ربّكم وحثّيثاه إيّاكم ، أي الدّليل والحثّ .
--> ( 1 ) وهكذا فعل ابن فارس ، لتعذّر القول بالأصل الواحد هنا ، أمّا من دأب هذا المذهب - كالمصطفويّ - فقد طوى عن اللّغة كشحه ، وانكفأ على التّفسير .