مجمع البحوث الاسلامية
758
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
حاتم الطّائيّ ، وهو الّذي يضرب به المثل في الجود . وتحتّمت له بخير : تمّنيت له خيرا وتفاءلت له ، كأنّي جعلت له حتما مقضيّا وهو الأخ الحتم : المحض الحقّ ، كأنّه قضى على نفسه . 2 - ولم يعدّ ابن فارس هذه المادّة أصلا ، وكاد يجزم أنّ تاءها مبدل من الكاف ، فأصلها عنده ( ح ك م ) . ولكنّ ما ذهب إليه بعيد ، لأنّ بين مشتقّات « ح ت م » و « ح ك م » خلافا في الوزن والتّعدّي واللّزوم . يقال : حكم عليه وله وبه وبينهم يحكم حكما ، أي قضى فهو حاكم . والفعل « حتم » - كما تقدّم - من باب « فعل يفعل » ، ومصدره على وزن « فعل » ، وهو متعدّ أيضا ولا يضاهيه إلّا بالمعنى ، فبينهما اشتقاق أكبر . ثمّ لم يعهد في اللّغة إبدال الكاف حاء أو بالعكس ، وما ذكره يجانب الصّواب . بيد أنّ « الحاء » في بعض مشتقّاتها مبدل من العين ، نحو الحتمة ، أي السّواد ، وهو بديل « العتمة » ، أي سواد اللّيل وظلامه . وهذا إبدال سائغ في اللّغة ، انظر « ح ب س » . وبعضها مبدل من « الهاء » ، نحو : الحتامة ، أي ما فضل من الطّعام على الخوان أو الطّبق الّذي يؤكل عليه ، وهو بديل « الهتامة » ، أي ما تكسّر من الشّيء ، والتّهتّم : التّكسّر . وهذا الإبدال سائغ أيضا ، كقولهم : هو يتفيهق في كلامه ويتفيحق ، أي توسّع فيه وتنطّع . ولعلّ الحتامة معرّب من اللّفظ السّريانيّ « حتاما » ، فألحق بهذه المادّة ، واللّه أعلم . الاستعمال القرآنيّ جاء منها لفظ واحد في سورة مكّيّة : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا مريم : 71 ويلاحظ أوّلا : أنّهم فسّروها ب : قسما واجبا ، قضاء كائنا واجبا ، قد قضى ذلك وأوجبه ، حتم من اللّه وقضاء قضاه ، حتم ذلك وقضى قضاء لا محيص عنه ، كان ورودهم واجبا على اللّه أوجبه على نفسه وقضى به ، وعزم أن لا يكون غيره ، كائنا واقعا لا محالة ، حتم ذلك وقضاه على الخلق ، حكما جزما مقطوعا به ، ونحوها فتارة جعلوه قسما واجبا ، وأخرى قضاء واجبا وحكما مقطوعا ، وثالثة كائنا واجبا ، وهو الأقرب ، لأنّ القضاء مذكور في « مقضيّا » فينبغي الفرق بينهما . وأمّا القسم فليس منه ذكر في الآية . ثانيا : ( حتما ) خبر ( كان ) واسمه الضّمير الرّاجع إلى « الورود » المستفاد من ( واردها ) ، وهو مصدر جاء بمعنى الفاعل ، أي واجبا قاطعا كما مرّ ، أو بمعنى المفعول ، أي محتوما كما عن الزّمخشريّ وغيره نظير « خلق اللّه وضرب الأمير » ، وهو يناسب « مقضيّا » لأنّه اسم مفعول أيضا . ثالثا : قال الطّبرسيّ : « ( على ) كلمة وجوب ، أي أوجب اللّه على نفسه ، وفيه دلالة على أنّه يجب عليه سبحانه أشياء من طريق الحكمة خلافا لما يذهب إليه أهل الجبر » .