مجمع البحوث الاسلامية
702
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
في الدّنيا والآخرة ، فعن بعضهم أنّ حبطها في الدّنيا : بقاء الذّمّ واللّعنة عليهم ، وفي الآخرة : كونها هباء منبثّا لا يثابون عليها ، وخصّوها بالأعمال الحسنة الّتي تصدر من الكفّار بلا خلوص . وعند الطّباطبائيّ - كما سبق - أنّ الحبط : سقوط أثر العمل - سواء ما جاء تقرّبا وعبادة أو غيرها - في سعادة الإنسان وشقاوته في الدّنيا والآخرة ، كما قال تعالى : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ النّحل : 97 ، وقال : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى طه : 124 ، فكلّ من حياة طيّبة ومعيشة ضنك من آثار أعماله الحسنة والسّيّة في الدّنيا ، وكذلك الجزاء في الآخرة . قال : وقد جمع الجميع ودلّ على سبب هذه السّعادة والشّقاوة ، قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ محمّد : 11 . ولفضل اللّه نظر في هذا التّحليل الدّقيق ، وهو أنّ تفسير « الحبط » ببطلان أثر الأعمال مع الكفر والارتداد ، في سعادة الإنسان في الدّنيا والآخرة صحيح ، ولكن تفسيره السّعادة في الدّنيا بالحياة الرّوحيّة الّتي يعيش الإنسان المؤمن فيها النّور في أفعاله ، دون الكافر الّذي يفقدها لفقدان صلته باللّه الّذي يدخل البهجة إلى قلبه والسّلوة عند حزنه ، والاكتفاء عند حبّه ، ليس دقيقا ، فإنّ ذلك قد يحقّق للإنسان الشّعور بالسّعادة والطّمأنينة من حيث تأثير الإيمان في ذلك ، كما هو مدلول الآيات الّتي استشهد بها . ولكن الظّاهر من الأعمال في هذه الآية أي : وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ الأعمال الّتي يستحقّ بها الإنسان العناية من اللّه بما يعطي عباده المؤمنين النّتائج الإيجابيّة في أعمالهم الخيّرة ، وإن لم يتقرّبوا بها إليه ، بل كان جارية على حسب الخطّ الإيمانيّ الّذي تتحرّك فيه حياته من خلال انتمائه إلى رسالات اللّه - إلى أن قال بعد كلام طويل - : فليست السّعادة الّتي يتطلّبها الإنسان شيئا يعشيه في حياته الدّاخليّة من موقع الثّقة الّتي يفرضها الإيمان ، بل هو شيء يحصل عليه من خلال عطاء اللّه له ، لأنّ اللّه يعطي الثّواب في الدّنيا كما في الآخرة ، وسينزل العذاب في الدّنيا كما ينزله في الآخرة ، وهذا هو جوّ الآية ، واللّه العالم . ونقول : إنّ العلّامة فسّر الآية على ما يقتضيه ذوقه الفلسفيّ من أنّ كلّا من السّعادة والشّقاوة في الدّنيا والآخرة ناشئ عن باطن الإنسان وشاكلته الرّوحيّة ، كما قال تعالى : كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ الإسراء : 84 ، وله وللفلاسفة الإسلاميّين نظرة خاصّة في الحياة النّفسانيّة الأخرويّة ، وأنّها بنفسها نار أو جنّة للفريقين . سابعا : في بعض الآيات اختلاف في القراءة ، مثل قراءة أبي السّمّال ( حبط ) بفتح الباء في جميع الآيات ، وقراءة بعضهم بدل ( ليحبطنّ ) معلوما : في ( 11 ) : ( ليحبطنّ ) مجهولا ، ( لنحبطنّ ) بنون المتكلّم من باب « الإفعال » ، والأوّل مرجعه إلى اختلاف اللّهجات ، والثّاني إلى التّذوّق النّحويّ لبعض القرّاء ، دون اللّهجات ، لاحظ المدخل بحث القراءات .