مجمع البحوث الاسلامية

700

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

والقربيّة الّتي كان المرتدّ عملها وأتى بها حال الإيمان ، وعمّها الطّباطبائيّ لمطلق الأفعال الّتي يريد الإنسان بها سعادة الحياة ، مستندا إلى ورود الحبط فيمن لا عبادة له ولا عمل قربيّ كالكفّار والمنافقين ، في جملة من تلك الآيات . وقد أصرّ هو في كلام طويل على أنّ حبطها عبارة عن سقوطها عن التّأثير في سعادة الإنسان في الدّنيا والآخرة ، فلاحظ . الثّالث : اختلفوا في بقاء أعمال المرتدّ معلّقة إلى حين الموت ، لقوله في ( 4 ) وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ ، أو سقوطها رأسا حين الارتداد ، وكذلك في عودتها لو رجع إلى الإيمان بعد الارتداد ، فعن الشّافعيّ : أنّ الرّدّة لا تحبط الأعمال حتّى يموت عليها ، وعن أبي حنيفة : أنّها تحبطها وإن رجع مسلما لا تعود ، وعند الطّباطبائيّ : أنّ هذا النّزاع باطلة من أصله من أجل ما اختاره من أنّ حبط الأعمال هو بطلانها ، من حيث التّأثير في سعادته الدّنيويّة والأخرويّة - كما سبق - لكن يرجى ذلك للمرتدّ إن لم يمت على الرّدّة ، وإن مات على الرّدّة حتم له الحبط ، وكتب عليه الشّقاوة ، فكلامه يشعر بالتّعليق أيضا . الرّابع : قالت المعتزلة استنادا إلى هذه الآيات بالإحباط والتّكفير ، والإحباط عندهم : أنّ الأعمال تبطل بعضها بعضا ، فكلّ سيّئة لا حقة تبطل الحسنة السّابقة كلّا أو بقدر ما يوازنها من السّيّئة على خلاف بينهم ، وكذلك بالعكس كلّ حسنة لاحقة تذهب السّيّئة السّابقة كلّا أو بما يوازيها ، ويبقى الباقي سليما عن المنافي في الطّرفين . قال الطّباطبائيّ : « ولازم القولين جميعا أن لا يكون عند الإنسان من أعماله إلّا نوع واحد حسنة أو سيّئة لو كان عنده شيء منهما » . وقد ردّ عليهم مخالفوهم من الأشاعرة والإماميّة وغيرهما بعد اعترافهم بالتّكفير - كما يأتي - بأنّ قوله تعالى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ التّوبة : 102 ، ظاهر في اختلاف الأعمال وبقائها إلى أن تلحقها توبة من اللّه . وبأنّه تعالى جرى في المجازاة على ما جرى عليه العقلاء في أمورهم . وهو احتساب كلّ من الحسنة والسّيّئة على حدّهما ، وهذا هو المقبول في حساب الأعمال ومجازاتها حسب ما ثبت في كتب أعمال العباد يوم القيامة ، ولولا ذلك لاستلزم حبط الأعمال كلّها - بلا موازنة - كما قال به بعضهم : الظّلم بالعباد وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فصّلت : 46 . نعم ، الحسنة تكفّر السّيّئة ، كما قال : إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ الأنفال : 29 ، و إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ النّساء : 31 ، بل بعض الأعمال يبدّل السّيّئة حسنة ، كما قال : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ الفرقان : 70 . ويبدو أنّ كلّا من التّكفير والتّبديل يقع عقيب التّوبة عن السّيّئة لا بمجرّد عمل الحسنة ، ولا ريب أنّ التّوبة تمحي السّيّئات ، لاحظ « ت وب » وللبحث حول الإحباط مجال واسع عند المتكلّمين . الخامس : فرّع الطّباطبائيّ مسألة الإحباط ومسألة