مجمع البحوث الاسلامية

676

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ الأنفال : 29 ، وقوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً النّساء : 31 ، وقوله تعالى في تبديل السّيّئة بالحسنة : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً الفرقان : 70 ، وقوله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ هود : 114 ، وهذا أمر قريب إلى المنهج الإسلاميّ الّذي يلتقي بالعفو والمغفرة والتّوبة الّتي قد تكون كلاميّة ، وقد تكون عمليّة ، بتبديل الخطّ العمليّ من السّلب إلى الإيجاب . وذهب صاحب البحار العلّامة المجلسيّ في « بحار الأنوار » إلى ثبوت سقوط الثّواب بكفر يستمرّ إلى نهاية العمر ، وسقوط العقاب بإيمان يستمرّ حتّى الموت . والأخبار كثيرة بشأن هبوط كثير من الطّاعات عن طريق كثير من المعاصي ، وغفران كثير من المعاصي عن طريق كثير من الطّاعات ؛ وذلك كما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ الحجرات : 2 ، وكما في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ محمّد : 32 ، 33 ، فإنّ المقابلة بين الآيتين تقضي بأن يكون الأمر بالإطاعة في معنى النّهي عن المشاقّة ، كما جاء في تفسير الميزان 2 : 176 . وقد جاء عن النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وآله : « إيّاكم والحسد ، فإنّ الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب » بحار الأنوار 70 : 357 . ولكن يمكن مناقشة بعض هذه الشّواهد . أمّا الآية الّتي تتحدّث عن رفع الصّوت فوق صوت النّبيّ ، فليست واردة في مقام بيان فعليّة إحباط هذا السّلوك لأعمالهم السّابقة ، بل هي واردة - واللّه العالم - في التّحذير من فعل الإساءة إلى النّبيّ بعدم احترامه في درجة نبوّته ، من خلال الاستهانة به وبأمره ونهيه ؛ فيقودهم ذلك إلى الابتعاد عن خطّ الإيمان بطريقة تلقائيّة لا شعوريّة ، في ما يجرّ بعض الأوضاع السّلبيّة بعضا آخر ، وتؤدّي بالتّالي إلى لون معيّن من الانحراف في اتّجاه آخر . ولعلّ قوله سبحانه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ، إشارة إلى ذلك من خلال الوصول إلى الكفر وما يشبه الكفر من دون شعور . أمّا آية المشاقّة ، فإنّ الظّاهر من المشاقّة مع الرّسول ، هو ما يحصل من الكافرين في مواجهتهم للنّبيّ ، من خلال معطيات الكفر والصّدّ عن سبيل اللّه - ولذلك ذكر هذه المشاقّة في سياق صفات الكافرين - وذلك بإعلان الحرب عليه ، والابتعاد عن دينه ، والمخالفة له في العقيدة والشّريعة والاستهزاء . وأمّا الفقرة الّتي تليها فإنّها