مجمع البحوث الاسلامية
584
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
المسألة الأولى : أمّا الكلام المستقصى في المحبّة ، فقد تقدّم في تفسير قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ البقرة : 165 ، والمتكلّمون مصرّون على أنّ محبّة اللّه تعالى : عبارة عن محبّة إعظامه وإجلاله ، أو محبّة طاعته ، أو محبّة ثوابه ، قالوا : لأنّ المحبّة من جنس الإرادة ، والإرادة لا تعلّق لها إلّا بالحوادث وإلّا بالمنافع . واعلم أنّ هذا القول ضعيف ؛ وذلك لأنّه لا يمكن أن يقال في كلّ شيء : إنّه إنّما كان محبوبا لأجل معنى آخر ، وإلّا لزم التّسلسل والدّور ، فلا بدّ من الانتهاء إلى شيء يكون محبوبا بالذّات ، كما أنّا نعلم أنّ اللّذّة محبوبة لذاتها ، فكذلك نعلم أنّ الكمال محبوب لذاته . وكذلك أنّا إذا سمعنا أخبار رستم واسفنديار في شجاعتهما مال القلب إليهما ، مع أنّا نقطع بأنّه لا فائدة لنا في ذلك الميل ، بل ربّما نعتقد أنّ المحبّة معصية لا يجوز لنا أن نصرّ عليها ، فعلمنا أنّ الكمال محبوب لذاته ، كما أنّ اللّذّة محبوبة لذاتها ، وكمال الكمال للّه سبحانه وتعالى ، فكان ذلك يقتضي كونه محبوبا لذاته من ذاته ، ومن المقرّبين عنده الّذين تجلّى لهم أثر من آثار كماله وجلاله . قال المتكلّمون : وأمّا محبّة اللّه تعالى للعبد فهي عبارة عن إرادته تعالى إيصال الخيرات والمنافع في الدّين والدّنيا إليه . المسألة الثّانية : القوم كانوا يدعون أنّهم كانوا محبّين للّه تعالى ، وكانوا يظهرون الرّغبة في أن يحبّهم اللّه تعالى ، والآية مشتملة على أنّ الإلزام من وجهين : أحدهما : إن كنتم تحبّون اللّه فاتّبعوني لأنّ المعجزات دلّت على أنّه تعالى أوجب عليكم متابعتي . الثّاني : إن كنتم تحبّون أن يحبّكم اللّه فاتّبعوني ، لأنّكم إذا اتّبعتموني فقد أطعتم اللّه ، واللّه تعالى يحبّ كلّ من أطاعه . وأيضا فليس في متابعتي إلّا أنّي دعوتكم إلى طاعة اللّه تعالى وتعظيمه ، وترك تعظيم غيره ، ومن أحبّ اللّه كان راغبا فيه ، لأنّ المحبّة توجب الإقبال بالكلّيّة على المحبوب ، والإعراض بالكلّيّة عن غير المحبوب . ( 8 : 18 ) نحوه النّيسابوريّ . ( 3 : 169 ) القرطبيّ : ومحبّة اللّه للعباد : إنعامه عليهم بالغفران ، قال اللّه تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ آل عمران : 32 ، أي لا يغفر لهم . ( 4 : 60 ) البيضاويّ : المحبّة : ميل النّفس إلى الشّيء لكمال أدرك فيه ؛ بحيث يحملها على ما يقرّبها إليه ، والعبد إذا علم أنّ الكمال الحقيقيّ ليس إلّا للّه ، وأنّ كلّ ما يراه كمالا من نفسه أو غيره فهو من اللّه وباللّه وإلى اللّه ، لم يكن حبّه إلّا للّه ، وفي اللّه . وذلك يقتضي إرادة طاعته والرّغبة فيما يقرّبه ، فلذلك فسّرت المحبّة بإرادة الطّاعة ، وجعلت مستلزمة لاتّباع الرّسول في عبادته والحرص على مطاوعته . يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ جواب للأمر ، أي يرضى عنكم ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتّجاوز عمّا فرط منكم ، فيقرّبكم من جناب عزّه ويبوّئكم في جوار قدسه ، عبّر عن ذلك بالمحبّة على طريق الاستعارة أو المقابلة . ( 1 : 156 ) مثله أبو السّعود ( 1 : 355 ) ، والبروسويّ ( 2 : 22 ) ، ونحوه الخازن ( 1 : 284 ) ، وأبو حيّان ( 2 : 431 ) ، والكاشانيّ ( 1 : 303 ) .