مجمع البحوث الاسلامية
582
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
والتّفضّل والقربى من المنعم الجليل . ( 2 : 918 ) الطّباطبائيّ : وأمّا قوله تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فالحبّ مطلق معلّق على الذّات من غير تقييده بوصف أو غير ذلك ، أمّا حبّهم للّه فلازمه إيثارهم ربّهم على كلّ شيء سواه ، ممّا يتعلّق به نفس الإنسان من مال أو جاه أو عشيرة أو غيرها . فهؤلاء لا يوالون أحدا من أعداء اللّه سبحانه ، وإن والوا أحدا فإنّما يوالون أولياء اللّه بولاية اللّه تعالى . وأمّا حبّه تعالى لهم فلازمه براءتهم من كلّ ظلم ، وطهارتهم من كلّ قذارة معنويّة ، من الكفر والفسق بعصمة أو مغفرة إلهيّة عن توبة ؛ وذلك أنّ جمل المظالم والمعاصي غير محبوبة للّه كما قال تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ آل عمران : 32 ، وقال : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ آل عمران : 57 ، وقال : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ الأنعام : 41 ، وقال : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ المائدة : 64 ، وقال : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ البقرة : 190 ، وقال : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ النّحل : 23 ، وقال : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ الأنفال : 58 ، إلى غير ذلك من الآيات . وفي هذه الآيات جماع الرّذائل الإنسانيّة ، وإذا ارتفعت عن إنسان بشهادة محبّة اللّه له اتّصف بما يقابلها من الفضائل ، لأنّ الإنسان لا مخلص له عن أحد طرفي الفضيلة والرّذيلة إذا تخلّق بخلق . فهؤلاء هم المؤمنون باللّه حقّا غير مشوب إيمانهم بظلم ، وقد قال تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ الأنعام : 82 ، فهم مأمونون من الضّلال ، وقد قال تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ النّحل : 37 ، فهم في أمن إلهيّ من كلّ ضلالة ، وعلى اهتداء إلهيّ إلى صراطه المستقيم ، وهم بإيمانهم الّذي صدّقهم اللّه فيه مهديّون إلى اتّباع الرّسول والتّسليم التّامّ له كتسليمهم للّه سبحانه ، قال تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً النّساء : 65 . وعند ذلك يتمّ أنّهم من مصاديق قوله تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ آل عمران : 31 ، وبه يظهر أنّ اتّباع النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ومحبّة اللّه متلازمان ، فمن اتّبع النّبيّ أحبّه اللّه ولا يحبّ اللّه عبدا إلّا إذا كان متّبعا لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله . وإذا اتّبعوا الرّسول اتّصفوا بكلّ حسنة يحبّها اللّه ويرضاها كالتّقوى والعدل والإحسان والصّبر والثّبات والتّوكّل والتّوبة والتّطهّر وغير ذلك ، قال تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ آل عمران : 76 ، وقال : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ البقرة : 195 ، وقال : وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ آل عمران : 146 ، وقال : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ الصّفّ : 4 ، وقال : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ آل عمران : 159 ، وقال : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ البقرة : 222 ، إلى غير ذلك من الآيات . وإذا تتبّعت الآيات الشّارحة لآثار هذه الأوصاف وفضائل تتعقّبها ، عثرت على أمور جمّة من الخصال الحسنة ، ووجدت أنّ جميعها تنتهي إلى أنّ أصحابها هم