مجمع البحوث الاسلامية
58
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وأنت تعلم أنّ المبشّرين بالجنّة على لسان الصّادق المصدوق ، عليه الصّلاة والسّلام ، كانوا كثيرا ما يسألون اللّه تعالى الجنّة مع أنّهم مقطوع لهم بها ، ولعلّ منشأ ذلك ما قيل لموسى عليه السّلام ، فتدبّر . والمتبادر من ( بنيه ) عليه السّلام من كان من صلبه ، فلا يتوهّم أنّ اللّه تعالى لم يستجب دعاءه لعبادة قريش الأصنام ، وهم من ذرّيّته عليه السّلام ، حتّى يجاب بما قاله بعضهم : من أنّ المراد كلّ من كان موجودا حال الدّعاء من أبنائه ، ولا شكّ أنّ دعوته عليه السّلام مجابة فيهم ، أو بأنّ دعاءه استجيب في بعض دون بعض ، ولا نقص فيه كما قال الإمام . [ إلى أن قال : ] واستدلّ بعض أصحابنا بالآية على أنّ التّبعيد من الكفر والتّقريب من الإيمان ليس إلّا من اللّه تعالى ، لأنّه عليه السّلام إنّما طلب التّبعيد عن عبادة الأصنام منه تعالى ، وحمل ذلك على الألطاف ، وفيه ما فيه . ( 13 : 234 ) المراغيّ : [ نحو الزّجّاج وقال : ] وقد استجيب دعاؤه في بعض بنيه دون بعض ، ولا ضير في ذلك . ( 13 : 159 ) الطّباطبائيّ : يقال : جنبه وأجنبه ، أي أبعده ، وسؤاله عليه السّلام أن يجنبه اللّه ويبعده وبنيه من عبادة الأصنام لواذ ، والتجاء إليه تعالى من الإضلال الّذي نسبه إليهنّ في قوله : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ إبراهيم : 36 . ومن المعلوم أنّ هذا الإبعاد والإجناب منه تعالى - كيفما كان وأيّامّا كان - تصرّف مّا ، وتأثير منه تعالى في عبده بنحو ، غير أنّه ليس بنحو يؤدّي إلى الإلجاء والاضطرار ، ولا ينجرّ إلى القهر والإجبار ، بسلب صفة الاختيار منه ؛ إذ لا مزيّة لمثل هذا الابتعاد حتّى يسأل ذلك مثل إبراهيم خليل اللّه . فرجع بالحقيقة إلى ما تقدّم في قوله تعالى : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ إبراهيم : 27 الآية ، أنّ كلّ خير من فعل أو ترك فإنّه منسوب إليه تعالى أوّلا ، ثمّ إلى العبد ثانيا ، بخلاف الشّرّ من فعل أو ترك فإنّه منسوب إلى العبد ابتداء ، ولو نسب إليه تعالى فإنّما ينسب إذا كان على سبيل المجازاة ، وقد أوضحنا ذلك . فالاجتناب من عبادة الأصنام إنّما يتحقّق عن إجناب من اللّه ، رحمة منه لعبده وعناية ، وليس في الحقيقة إلّا أمرا تلبّس ، واتّصف به العبد ، غير أنّه إنّما يملكه بتمليك اللّه سبحانه ، فهو المالك له بذاته ، والعبد يملكه بأمر منه وإذن ، كما أنّ العبد إنّما يهتدي عن هداية من اللّه ، وليس هناك إلّا هدى واحد ، لكنّه مملوك للّه سبحانه لذاته ، والعبد إنّما يملكه بتمليك منه سبحانه . وأبسط كلمة في هذا المعنى ما وقع في أخبار آل العصمة : أنّ اللّه يوفّق عبده لفعل الخير وترك الشّرّ هذا . فتلخّص أنّ المراد بقوله عليه السّلام : ( واجنبنى ) سؤال ما للّه سبحانه من الصّنع في ترك العبد عبادة الأصنام ، وبعبارة أخرى هو يسأل ربّه أن يحفظه وبنيه من عبادة الأصنام ويهديهم إلى الحقّ ، إن هم عرضوا أنفسهم لذلك ، وأن يفيض عليهم إن استفاضوا لا أن يحفظهم منها ، سواء عرضوا لذلك أنفسهم أو لم يعرضوا ، وأن يفيض عليهم سواء استفاضوا أو امتنعوا ، فهذا معنى دعائه عليه السّلام . ومنه يعلم أنّ نتيجة الدّعاء لبعض المدعوّين لهم وإن كان بلفظ يستوعب الجميع ، وهذا البعض هم