مجمع البحوث الاسلامية
564
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الدّين الّتي تعلّم النّاس العقائد الصّحيحة الّتي ترتقي بها العقول وتخرج بها من ظلمات الوثنيّة ، والتّعاليم الّتي تتهذّب بها النّفوس وتتزكّى من الصّفات البهيميّة ، وقوانين العبادة الّتي تغذّي العقائد والأخلاق ، حتّى لا يعتريها كسوف ولا محاقّ . فالدّين وضع إلهيّ يحسن اللّه تعالى به إلى البشر على لسان واحد منهم ، لا كسب له فيه ولا صنع ، ولا يصل إليه بتلقّ ولا تعلّم إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى النّجم : 4 ، فيجب أن يحبّ صاحب هذا الإحسان سبحانه وتعالى حبّا لا يشرك به معه أحد ، ولكن متّخذي الأنداد - بالمعنى الثّاني في كلامنا - قد أشركوا أندادهم مع اللّه تعالى في هذا الحبّ ؛ إذ جعلوا لهم شركة في هذا الإحسان بسوء التّأويل كما تقدّم ، فكما يأخذون بآرائهم على أنّها دين من غير أن يعلموا من أين أخذوها وإن لم يأمروهم بذلك بل وإن نهوهم عنه يتمسّكون ، كذلك بتأويلهم لما أنزل اللّه ، كأنّ التّأويل أنزل معه بدون استعمال العقل ودلالة اللّغة وبقيّة نصوص الدّين ، للعلم بصحّته وانطباقه على الحقّ . وأمّا المؤمنون حقّا فإنّهم يوحّدون اللّه تعالى ويخصّونه بهذا الحبّ كما يوحّدونه بالتّشريع ، بمعنى أنّهم لا يأخذون الدّين إلّا عن الوحي ، ولا يفهمونه إلّا بقرائن ما جاء به الوحي ، وإنّما الأئمّة والعلماء ناقلون للنّصوص ومبيّنون لها ، بل قال اللّه تعالى للنّبيّ نفسه : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ النّحل : 44 ، فهؤلاء المؤمنون يسترشدون بنقلهم وبيانهم ، ولكنّهم لا يقلّدونهم في عقائدهم ولا عبادتهم ، ولا يأخذون بآرائهم في الدّين الّذي هو عبارة عن سير الأرواح من عالم إلى عالم ، بل يجوّزون كلّ عقبة ، ويدوسون كلّ رئاسة في سبيل اللّه تعالى ومحبّته وابتغاء رضوانه ، فهم متعلّقون باللّه ومخلصون له أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ الزّمر : 3 ، وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ البيّنة : 5 ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ يوسف : 40 . فالمؤمنون هم المخلصون للّه في دينهم الّذين لا يأخذون أحكامه إلّا عن وحيه ، وأمّا متّخذو الأنداد ومحبّوهم بهذا المعنى فهم الّذين ورد في بعضهم وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ النّور : 48 ، فهم لا يقبلون حكم اللّه في كتابه ، ولكن إذا دعوا ليحكم بينهم بآراء رؤسائهم أقبلوا مذعنين . ( 2 : 68 - 70 ) سيّد قطب : إنّ المؤمنين لا يحبّون شيئا حبّهم للّه ، لا أنفسهم ولا سواهم ، لا أشخاصا ولا اعتبارات ولاشارات ، ولا قيما من قيم هذه الأرض الّتي يجري وراءها النّاس . وَالَّذِينَ آمَنُوا . . . أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ، حبّا مطلقا من كلّ موازنة ، ومن كلّ قيد . أشدّ حبّا للّه من كلّ حبّ يتّجهون به إلى سواه . والتّعبير هنا بالحبّ تعبير جميل ، فوق أنّه تعبير صادق ، فالصّلة بين المؤمن الحقّ وبين اللّه هي صلة الحبّ ، صلة الوشيجة القلبيّة ، والتّجاذب الرّوحيّ ، صلة المودّة والقربى ، صلة الوجدان المشدود بعاطفة الحبّ