مجمع البحوث الاسلامية
547
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
كان « أحبّ » أكثر استعمالا من « حبّ » الّذي يستعمله الشّعراء أحيانا ، عندما يفرض الوزن والقافية عليهم ذلك . فممّن أجاز استعمال الفعل حبّه : معجم ألفاظ القرآن الكريم ، وسيبويه الّذي قال : إنّ كلا الفعلين بمعنى ، والفرّاء : لغة ، وشمر بن حمدويه : لغة ، والمبرّد . [ ثمّ استشهد بشعر ] والتّهذيب : لغة ، والصّحاح ، ومفردات الرّاغب الأصفهانيّ ، والمختار ، واللّسان : لغة ، والمصباح ، والقاموس : شاذّ ، والتّاج : لغة شاذّة ، ومحيط المحيط ، وأقرب الموارد ، والمتن : شاذّ . والوسيط : قليل الاستعمال ، ومن معجم المتنبّي : قليل الاستعمال . أمّا أنا فلا أرى فرقا كبيرا بين حبّه وأحبّه ، لأنّ « حبّه » القليل النّادر الشّاذّ يكون اسم المفعول منه هو الفصيح المشهور « محبوب » ، بينما اسم المفعول من أحبّ : المحبّ ، هو النّادر الشاذّ . [ ثمّ استشهد بشعر ] وفعله هو : حببته أحبّه حبّا وحبّا ، والقياس : أحبّه ، لكنّه غير مستعمل . ويقول « المصباح » : إنّ حببته أحبّه لغة فيه . حبّا وكرامة ويخطّئون من يعني الودّ والتّكريم بقوله : حبّا وكرامة ، ويقولون : إنّ الحبّ هنا يعني الجرّة الكبيرة ، والكرامة تعني غطاء الجرّة . وحين نقول للضّيف : حبّا وكرامة ، نعني : تناول الجرّة وغطاءها ، واشرب منها حتّى ترتوي . وهذا نوع رائع من الاحتفاء بالضّيف عند أهل البادية ، في شبه الجزيرة العربيّة ، الّتي كان وجود الماء فيها قليلا جدّا . وهم مصيبون في قلوبهم : حبّا وكرامة ، من حيث المعنى الأصليّ لهذه الجملة . وشبيه بذلك قولهم للميّت في شبه الجزيرة العربيّة : سقى اللّه قبره ، لكي ينبت العشب الأخضر الجميل فوقه ، لقلّة الأمطار هناك . ولو كانت أوربّة الوسطى والشّماليّة حيث تسقط الثّلوج دائما في الشّتاء ، والأمطار في الصّيف منشأ العرب ، لقالوا لميّتهم ، في الدّعاء له : جفّف اللّه قبره ، لكي تشرق عليه الشّمس ، الّتي يندر إشراقها عليهم ، وتبخّر المياه والرّطوبة الّتي تحيط بجثّة فقيدهم . ولمّا أصبح معظم العرب الآن يقيمون في بلاد تكثر فيه الأمطار شتاء ، وتتدفّق ينابيعها صيفا وشتاء ، ونزع جلّ سكّان البوادي فيها إلى المدن والقرى الّتي توجد فيها المياه ، أو إلى جوارها ، ولمّا كانت آلات الحفر الحديثة قد فجّرت الماء في أماكن كثيرة من أراضي شبه الجزيرة العربيّة ، موطن العرب الأوّل ، كان التّشبّث بالمعاني الصّحراويّة - في مثل هذه الحال - أمرا غير مستحسن . وأصبح علينا أن نفهم الآن أنّ معنى قولنا : « حبّا وكرامة » هو : ستجد أيّها الضّيف منّا حبّا « ودّا » وكرامة « مصدر كرم » ولا مسوّغ لتخطئة من يقولها . لذا قل لضيفك ، وإن كان ثقيل الظّلّ : « حبّا وكرامة » وأمرك للّه . التّحابّ الفعل الثّلاثيّ المضاعف إذا جيء به من باب « التّفاعل » وجب في مصدره إدغام أحد الحرفين المتجانسين في الآخر . والنّاس يخطئون حين يقولون :