مجمع البحوث الاسلامية
524
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
البيضاء معجزة لموسى عليه السّلام ، ومرّة واحدة في سورة مدنيّة ، في حكم ستر النّساء : 1 - وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ النّمل : 12 2 - اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ القصص : 32 3 - وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ . . . النّور : 31 يلاحظ أوّلا : أنّ الآيتين : ( 1 و 2 ) مكّيّتان تحويان قصّة موسى عليه السّلام حين جهّزه اللّه بآية اليد البيضاء ، وهناك آية ثالثة مكّيّة أيضا جاء فيها : وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى طه : 22 ، وقد فصّلنا البحث فيها في « ب ي ض : البيضاء » فلاحظ . ثانيا : الآية ( 3 ) مدنيّة تعرضّت لأحكام النّساء في عفافهنّ وزينتهنّ وسترهنّ ، فجاء في سترهنّ عن الرّجال الأجانب : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ . . . وفيها بحوث : 1 - الجيب - كما مضى - هو مدخل القميص من الرّأس وقوارته ، وكانت قمص النّساء في الجاهليّة وقد تجادّدت مع الأسف اليوم عند السّافرات - مفروجة واسعة ، تبدو منها نحورهنّ وصدورهنّ وقلائدهنّ وشعورهنّ وترائبهنّ وسوالفهنّ وثديّهنّ ، وما يحيط بها من الحليّ في الأذن والنّحر ، لأنّهنّ كنّ يسدلن الخمر من ورائهنّ ، فتبقى هذه مكشوفة زينة لهنّ ، فأمرن بأن يسدلنها من قدّامهنّ حتّى يغطّينها . فهذا إرشاد إلى طريقة سترهنّ بعض مواضع الزّينة ، وهو من أحسنها وأقواها جلبا للأنظار ، ولهذا قدّمها خاصّة على النّهي عن إبداء زينتهنّ عامّة ، فقال : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ فإنّ سترها يكفل قسما عظيما من ستر الزّينة المنهيّ عن إبدائها . 2 - فيها كلمتان اختلفوا في تفسيرهما : ( يضربن ) و ( جيوبهنّ ) : فالمراد بالضّرب عندهم : مجرّد الإرسال والإسدال . قال الزّمخشريّ : قولك : « ضربت بخمارها على جيبها » كقولك : « ضربت بيدي على الحائط إذا وضعتها عليه » . وقال أبو السّعود : « وقد ضمّن « الضّرب » معنى الإلقاء ، فعدّي ب ( على ) . ونقول - واللّه أعلم - : الضّرب هنا ليس مجرّد الإرسال والوضع ، بل الظّاهر منه لفّ الخمر وشدّها بالجيوب حتّى لا تزول عنها بالعدو ، أو بالرّيح ، وتبقى في موضعها كأنّها مخيطة أو مشدودة بالجيوب ، وهذا كتشمير الثّوب بالحيزوم وكضرب الفسطاط على الأرض بإقامة عمده وضرب أوتاده . قال المصطفويّ : « التّعبير بالضّرب : إشارة إلى شدّة السّتر واستحكامه بأيّ طريق ممكن : بشدّ أو عقد أو وصل ، حتّى لا تزول