مجمع البحوث الاسلامية
480
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى 117 ، فالخطاب لآدم ومعه زوجه ، ولم يعمّ ذرّيّته لو لم يخرجا من الجنّة ، وقد نفى عنهما في الجنّة أربع خصال كلّها نقمة وعذاب : الجوع ، والعري ، والظّمأ ، والضّحى ، والجوع والظّمأ آفة الطّعام والشّراب ، فهما من جنس واحد ، كما أنّ العري والضّحى - أي حرارة الضّحى - آفة البرودة والحرارة فهما أيضا من جنس واحد ، لكن جاءت الأربع في الآية على سبيل اللّفّ والنّشر غير المرتّب ؛ حيث جاء الجوع مع العري ، والظّمأ مع الضّحى فما الوجه فيها ؟ وقد اهتمّ المفسّرون به فذكروا له وجوها : أ - أنّ الظّمأ أكثر ما يكون من شدّة الحرارة ، والحرّ إنّما يكون من الضّحى ، وكذلك الجوع والعري متشابهان ، لأنّ الجوع عري البطن من الغذاء في الباطن ، والعري للجسم في الظّاهر ، وعند السّيوطيّ أنّ هذا من ترصيع الكلام من أنواع المطابقة . ب - أنّ العرب تلفّ الكلامين بعضهما ببعض اتّكالا على علم المخاطب ، فإنّه يردّ كلّ واحد منهما إلى ما يشاكله ، ذكره الطّبرسيّ . ج - هذا نوع ، من ائتلاف المعنى مع المعنى وقسم من المناسبة المعنويّة ، وهو قسمان : أحدهما : أن يشمل الكلام على معنى يصحّ معه معنيان ، أحدهما يلائمه بحسب نظر دقيق ، والآخر ليس كذلك بل ملائم ظاهر ، فيلاحظ الظّاهر . وثانيهما : أن يلاحظ الملائم الخفيّ والأحسن منهما ، وما لاقترانه مزيّة على الآخر ، ومنه هذه الآية حيث لم يراع فيها مناسبة « الرّيّ » للشّبع ، و « الاستظلال » للّبس ، بل روعيت المناسبة بين اللّبس والشّبع في عدم الاستغناء عنهما ، وأنّهما من أصول النّعمة ، وبين الاستظلال والرّيّ في كونهما تابعين لهما ومكمّلين لمنافعهما ، وهذا أدخل في الامتنان لما في تقديم أصول النّعم وإرداف التّوابع من الاستيعاب . د - أنّ ذلك تعقيب على سؤال آدم لمّا أمره اللّه بسكنى الجنّة ، فقال : إلهي ألي فيها ما آكل ، ألي فيها ما ألبس ، ألي فيها ما أشرب ، ألي فيها ما أستظلّ به ؟ فأجيب بما ذكر ! ! ه - أنّ الجوع والعري علامتان واضحتان للفقر ملازمتان خارجا ومقارنتان ذكرا في المحاورات . و - قدّم ما هو الأهمّ فالأهمّ تفصيلا ل فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى . ز - لزيادة التّقرير بالتّنبيه على أنّ نفي كلّ واحد من الأمور المذكورة مقصود بالذّات مذكور بالأصالة ، لا أنّ نفي بعضها مذكور بطريق الاستطراد والتّبعيّة لنفي بعض آخر ، كما عسى أن يتوهّم لو جمع بين المتجانسين . ح - أنّ فيها سرّا بديعا من البلاغة يسمّى : قطع النّظير عن النّظير ، والغرض من ذلك تحقيق تعداد هذه النّعم ، ولو قرن كلّ بشكله لتوهّم المقرونان نعمة واحدة . ط - جاء كذلك رعاية للفواصل - قاله الطّباطبائيّ - وهو الوجه عندنا ، مع الاعتراف بلطف بعض ما ذكر ودقّته الحاكية عن تذوّقه لبلاغة القرآن . مع إرجاع بعضها إلى بعض . 3 - قيل : إنّ معنى الآية أن لا يصيبه شيء من الأربعة