مجمع البحوث الاسلامية

323

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

إلّا على القول بإرادة الجنس ، وإخراج الكلام مخرج الاستخدام ، على نحو ما قالوا : في « عندي درهم ونصفه » بعيد لفظا ومعنى . [ إلى أن قال : ] ووصف الجنس بصيغتي المبالغة ، لكثرة الأفراد المتّصفة بالظّلم والجهل منه ، وإن لم يكونا فيها على وجه المبالغة ، بل لا يخلو فرد من الأفراد عن الاتّصاف بظلم مّا وجهل مّا ، ولا يجب في وصف الجنس بصيغة المبالغة ، تحقّق تلك الصّفة في الأفراد كلّا أو بعضا على وجه المبالغة . نعم إن تحقّق ذلك فهو زيادة خير ، كما فيما نحن فيه ، فإنّ أكثر أفراد الإنسان في غاية الظّلم ونهاية الجهل ، ولعلّ المراد ب « ظلوم جهول » من شأنه الظّلم والجهل . ( 22 : 98 - 100 ) المراغيّ : ( جهولا ) أي كثير الجهل لعواقب الأمور لما غلب عليه من القوّة الشّهويّة . ( 22 : 46 ) الطّباطبائيّ : فإن قلت : ما بال الحكيم العليم حمل على هذا المخلوق الظّلوم الجهول حملا لا يتحمّله لثقله وعظم خطره ، السّماوات والأرض والجبال على عظمتها وشدّتها وقوّتها ، وهو يعلم أنّه أضعف من أن يطيق حمله ، وإنّما حمله على قبولها : ظلمه وجهله وأجرأه عليه غروره وغفلته عن عواقب الأمور ، فما تحميله الأمانة باستدعائه لها ظلما وجهلا إلّا كتقليد مجنون ولاية عامّة ، يأبى قبولها العقلاء ويشفقون منها ، يستدعيها المجنون لفساد عقله ، وعدم استقامة فكره ؟ قلت : الظّلم والجهل في الإنسان ، وإن كانا بوجه ملاك اللّوم والعتاب ، فهما بعينهما مصحّح حمله الأمانة والولاية الإلهيّة ، فإنّ الظّلم والجهل إنّما يتّصف بهما من كان من شأنه الاتّصاف بالعدل والعلم . فالجبال مثلا لا تتّصف بالظّلم والجهل ، فلا يقال : جبل ظالم أو جاهل ، لعدم صحّة اتّصافه بالعدل والعلم ، وكذلك السّماوات والأرض لا يحمل عليها الظّلم والجهل ، لعدم صحّة اتّصافها بالعدل والعلم ، بخلاف الإنسان . والأمانة المذكورة في الآية - وهي الولاية الإلهيّة وكمال صفة العبوديّة - إنّما تتحصّل بالعلم باللّه والعمل الصّالح الّذي هو العدل ، وإنّما يتّصف بهذين الوصفين - أعني العلم والعدل - الموضوع القابل للجهل والظّلم ، فكون الإنسان في حدّ نفسه وبحسب طبعه ظلوما جهولا هو المصحّح لحمل الأمانة الإلهيّة ، فافهم ذلك . [ إلى أن قال : ] وقوله : وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ أي اشتمل على صلاحيّتها والتّهيّؤ للتّلبّس بها على ضعفه وصغر حجمه إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا أي ظالما لنفسه جاهلا بما تعقبه هذه الأمانة لو خانها من وخيم العاقبة والهلاك الدّائم . وبمعنى أدقّ لكون الإنسان خاليا بحسب نفسه عن العدل والعلم قابلا للتّلبّس بما يفاض عليه من ذلك ، والارتقاء من حضيض الظّلم والجهل إلى أوج العدل والعلم . والظّلوم والجهول : وصفان من الظّلم والجهل ، معناهما من كان من شأنه الظّلم والجهل ، نظير قولنا : فرس شموس ودابّة جموح وماء طهور ، أي من شأنها ذلك - كما قاله الرّازيّ - أو معناهما المبالغة في الظّلم والجهل - كما ذكر غيره - والمعنى مستقيم كيفما كانا . ( 16 : 349 )