مجمع البحوث الاسلامية

303

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

حيث لم يذكر له متعلّقا ومفعولا ، لتنزيله منزلة اللّازم ، أو لأنّ حذفه يدلّ على عمومه ، أي تجهلون كلّ شيء ، فيدخل فيه الجهل بالرّبوبيّة بالطّريق الأولى . وأكّد ذلك ب ( انّ ) وتوسيط ( قوم ) وجعل ما هو المقصود بالإخبار وصفا له ، ليكون - كما قال العلّامة - كالمتحقّق المعلوم ، وهذه - كما ذكر الشّهاب - نكتة سرّيّة في الخبر الموطئ ، لادّعاء أنّ الخبر لظهور أمره وقيام الدّليل عليه ، كأنّه معلوم متحقّق فيفيد تأكيده وتقريره ، ولولاه لم يكن لتوسيط الموصوف وجه من البلاغة . ( 9 : 41 ) المراغيّ : أي إنّكم تجهلون مقام التّوحيد ، وما يجب من تخصيص اللّه بالعبادة بلا واسطة ، ولا مظهر من المظاهر كالأصنام والتّماثيل والعجل أبيس « 1 » والثّعابين ، فاللّه قد كرّم البشر وجعلهم أهلا لمعرفته ودعائه ومناجاته ، بلا واسطة تقرّبه إليهم ، فإنّه أقرب إليهم من حبل الوريد . ( 9 : 52 ) الطّباطبائيّ : [ بيّن أنّ بني إسرائيل كانوا يعبدون الأصنام بعد أن كانوا على دين التّوحيد ثمّ قال : ] وكذلك جلّهم لا يتصوّرون من اللّه سبحانه إلّا أنّه جسم من الأجسام بل جوهر ألوهيّ يشاكل الإنسان ، كما هو الظّاهر المستفاد من التّوراة الدّائرة اليوم . وكلّما كان موسى يقرّب الحقّ من أذهانهم حوّلوه إلى أشكال وتماثيل يتوهّمون له تعالى ، لهذه العلّة لمّا شاهدوا في مسيرهم قوما يعكفون على أصنام لهم استحسنوا مثل ذلك لأنفسهم ، فسألوا موسى عليه السّلام أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة يعكفون عليها . فلم يجد موسى عليه السّلام بدّا من أن يتنزّل في بيان توحيد اللّه سبحانه إلى ما يقارب أفهامهم على قصورها ، فلامهم أوّلا على جهلهم بمقام ربّهم ، مع وضوح أنّ طريق الوثنيّة طريق باطل هالك ، ثمّ عرّف لهم ربّهم بالصّفة ، وأنّه لا يقبل صنما ولا يحدّ بمثال . ( 8 : 234 ) عبد الكريم الخطيب : وذلك ضلال مبين وجهل جهول ، فكيف تكون للّه صورة ؟ وكيف يحويه شيء ؟ إنّه لو تصوّر لتحدّد ، ولو تحدّد لاحتواه المكان والزّمان ، وهذا يعني أنّه دون المكان والزّمان ، إذ اشتملاه واحتويا عليه ، ولهذا كان جواب موسى : إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إذ لا يقول هذا القول في اللّه إلّا من جهل قدر اللّه ، ولم يعرف ماللّه من كمال وجمال . ( 5 : 471 ) مكارم الشّيرازيّ : يستفاد من هذه الآية بوضوح أنّ منشأ الوثنيّة هو جهل البشر ، ومن جانب جهله باللّه ، وعدم معرفته بذاته المقدّسة ، وأنّه لا يتصوّر له شبيه أو نظير أو مثيل . ومن جانب آخر جهل الإنسان بالعلل الأصليّة لحوادث العالم الّذي يتسبّب أحيانا في أن ينسب الحوادث إلى سلسلة من العلل الخرافيّة والخياليّة ، ومنها الأصنام . ومن جانب ثالث جهل الإنسان بما وراء الطّبيعة ، وقصور فكره إلى درجة أنّه لا يرى ، ولا يؤمن إلّا بالقضايا الحسّيّة . إنّ هذه الجهالات تضافرت وتعاضدت ، وصارت على مدار التّاريخ منشأ للوثنيّة وعبادة الأصنام ، وإلّا

--> ( 1 ) معبود قدماء المصريّين .