مجمع البحوث الاسلامية
272
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
مخاطبته القول البيّن المقرب من الهمس الّذي يضادّ الجهر ، كما تكون مخاطبة المهيب المعظّم ، عاملين بقوله عزّ اسمه ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ الفتح : 9 . وقيل : معنى وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ لا تقولوا له : يا محمّد يا أحمد ، وخاطبوه بالنّبوّة . [ إلى أن قال : ] وليس الغرض برفع الصّوت ولا الجهر ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة ، لأنّ ذلك كفر والمخاطبون مؤمنون . وإنّما الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من جرسه غير مناسب لما يهاب به العظماء ويوقّر الكبراء ، فيتكلّف الغضّ منه ، وردّه إلى حدّ يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التّعزير والتّوقير . ولم يتناول النّهي أيضا رفع الصّوت الّذي لا يتأذّى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدوّ أو ما أشبه ذلك ، ففي الحديث أنّه قال عليه الصّلاة والسّلام للعبّاس بن عبد المطّلب لمّا انهزم النّاس يوم حنين : « اصرخ بالنّاس » وكان العبّاس أجهر النّاس صوتا . ( 3 : 545 ) نحوه البيضاويّ ( 2 : 406 ) ، والنّسفيّ ( 4 : 166 ) ، والمراغيّ ( 26 : 121 ) . الطّبرسيّ : أي غضّوا أصواتكم عند مخاطبتكم إيّاه وفي مجلسه ، فإنّه ليس مثلكم ؛ إذ يجب تعظيمه وتوقيره من كلّ وجه . وقيل : معناه لا تقولوا له : يا محمّد ، كما يخاطب بعضكم بعضا بل خاطبوه بالتّعظيم والتّبجيل ، وقولوا : يا رسول اللّه . ( 5 : 130 ) نحوه شبّر . ( 6 : 55 ) الفخر الرّازيّ : فيه فوائد : إحداها : أنّ بالأوّل حصل المنع من أن يجعل الإنسان كلامه أو صوته أعلى من كلام النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وصوته ، ولقائل أن يقول : فما منعت من المساواة ، فقال تعالى وَلا تَجْهَرُوا لَهُ كما تجهرون لأقرانكم ونظرائكم ، بل اجعلوا كلمته عليا . والثّانية : أنّ هذا أفاد أنّه لا ينبغي أن يتكلّم المؤمن عند النّبيّ عليه السّلام كما يتكلّم العبد عند سيّده ، لأنّ العبد داخل تحت قوله : كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ لأنّه للعموم ، فلا ينبغي أن يجهر المؤمن للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كما يجهر العبد للسّيّد ، وإلّا لكان قد جهر له كما يجهر بعضكم لبعض ، لا يقال : المفهوم من هذا النّمط أن لا تجعلوه كما يتّفق بينكم بل تميّزوه بأن لا تجهروا عنده أبدا ، وفيما بينكم لا تحافظون على الاحترام ، لأنّا نقول : ما ذكرنا أقرب إلى الحقيقة ، وفيه ما ذكرتم من المعنى وزيادة . ويؤيّد ما ذكرنا قوله تعالى : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ الأحزاب : 6 ، والسّيّد ليس أولى عند عبده من نفسه ، حتّى لو كانا في مخمصة ووجد العبد ما لو لم يأكله لمات ، لا يجب عليه بذله لسيّده ، ويجب البذل للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . ولو علم العبد أنّ بموته ينجو سيّده ، لا يلزمه أن يلقي نفسه في التّهلكة لإنجاء سيّده ، ويجب لإنجاء النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام ، وقد ذكرنا حقيقته عند تفسير الآية . وأنّ الحكمة تقتضي ذلك ، كما أنّ العضو الرّئيس أولى بالرّعاية من غيره ، لأنّ عند خلل القلب مثلا لا يبقى