مجمع البحوث الاسلامية

269

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

هذا لو كان المراد بالصّلاة في قوله : ( بصلاتك ) للاستغراق ، والمراد به كلّ صلاة صلاة . وأمّا لو أريد المجموع - ولعلّه الأظهر - كان المعنى : لا تجهر في صلواتك كلّها ولا تخافت فيها كلّها بل اتّخذ سبيلا وسطا تجهر في بعض وتخافت في بعض . وهذا المعنى أنسب بالنّظر إلى ما ثبت في السّنّة من الجهر في بعض الفرائض اليوميّة كالصّبح والمغرب والعشاء ، والإخفات في غيرها . ولعلّ هذا الوجه أوفق بالنّظر إلى اتّصال ذيل الآية بصدرها ، فالجهر بالصّلاة يناسب كونه تعالى عليّا متعاليا ، والإخفات يناسب كونه قريبا أقرب من حبل الوريد . فاتّخاذ الخصلتين جميعا في الصّلوات أداء لحقّ أسمائه جميعا . ( 13 : 225 ) مكارم الشّيرازيّ : الآية أعلاه لا علاقة لها بالصّلوات الجهريّة والاخفاتيّة في اصطلاح الفقهاء ، بل إنّ المقصود منها يتعلّق « بالإفراط والتّفريط » في الجهر والإخفات ، فهي تقول : لا تقرأ بصوت مرتفع عن الحدّ الطّبيعيّ الّذي يشبه الصّراخ ، ولا أقلّ من الحدّ الطّبيعيّ بحيث تكون حركة شفاه وحسب ، ولا صوت فيها . أسباب النّزول الواردة - حول الآية - الّتي يرويها الكثير من المفسّرين نقلا عن ابن عبّاس تؤيّد هذا المعنى . وهناك روايات عديدة من طرق أهل البيت نقلا عن الإمام الباقر والصّادق عليهما السّلام تؤيّد هذا المعنى وتشير إليه . لذا فإنّا نستبعد التّفاسير الأخرى الواردة حول الآية . أمّا ما هو حدّ الاعتدال ، وما هو الجهر والإخفات المنهيّ عنهما ؟ الظّاهر أنّ الجهر هو بمعنى « الصّراخ » والإخفات هو من « السّكون » بحيث لا يسمعه حتّى الإنسان الّذي يقوم به نفسه . أمّا الإخفات والجهر في الصّلوات اليوميّة فهو - كما أشرنا لذلك - له حكم آخر ، أو مفهوم آخر ، أي له أدلّة منفصلة ؛ حيث ذكرها فقهاؤنا رضوان اللّه عليهم في كتب الصّلاة وبحثوا عنها . ملاحظة : هذا الحكم الإسلاميّ في الدّعوة إلى الاعتدال بين الجهر والإخفات يعطينا بصيرة وإدراكا في وجهتين هما : الأولى : لا تؤدّوا العبادات بشكل تكون فيه ذريعة بيد الأعداء ، فيقومون بالاستهزاء والتّحجّج ضدّكم ، إذ الأفضل أن تكون متماشية مع الهدوء والأدب ، كي تعكس بذلك نموذجا لعظمة الأدب الإسلاميّ ونموذجيّة طريقة التّعبّد في الإسلام . فالّذين يقومون في أوقات استراحة النّاس بالإعلان عن جلساتهم بواسطة مكبّرات الصّوت ، ويعتقدون أنّهم بذلك يوصلون صوتهم إلى الآخرين ، هم على خطأ ، وإنّ عملهم هذا لا يعكس أدب الإسلام في العبادات ، وستكون النّتيجة عكسيّة على قضيّة التّبليغ الدّينيّ . الثّانية : يجب أن يكون هذا التّوجيه أسوة لنا في جميع أعمالنا وبرامجنا الاجتماعيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة ؛ إذ يجب أن تكون جميع هذه الأمور بعيدة عن الإفراط