مجمع البحوث الاسلامية
232
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
واعلم أنّ الجهاد لا ينافي كونه عليه السّلام نبيّ الرّحمة ؛ وذلك أنّه مأمور بالجهاد مع من خالفه من الأمم بالسّيف ليرتدعوا عن الكفر ، وقد كان عذاب الأمم المتقدّمة عند مخالفة أنبيائهم بالهلاك والاستئصال . فأمّا هذه الأمّة فلم يعاجلوا بذلك ، كرامة لنبيّهم عليه السّلام ، ولكن يجاهدوا بالسّيف ، وله بقيّة بخلاف العذاب المنزل . [ ثمّ قال نحو أبي السّعود ] ( 3 : 437 ) عبد الكريم الخطيب : ( وجاهدوا . . . ) توكيد لهذا الأمر بالنّفرة إلى الجهاد ، لا بالنّفس وحسب ، بل وبالمال أيضا ، لمن يملك المال . وقدّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنّفس ، لأنّ المال عند من يحرص على المال أحبّ إليه من نفسه ، وهو القوّة الغالبة الّتي تثقل الإنسان وتبطئه عن الجهاد . فإذا سخا بالمال ، وبذله في سبيل اللّه ، خفّت نفسه إلى الجهاد ، وانطلق من القيد الّذي كان يمسك به عن أن يكون في المجاهدين . أمّا من لا يقدر على القتال لمرض أو شيخوخة أو نحو هذا ، فإنّه وإن رفع اللّه عنه الحرج إذا لم يجاهد بنفسه ، فإنّ الحرج قائم عليه إذا هو لم يجاهد بماله ، إن كان له مال . فإذا بذل المال ، وأمدّ به المجاهدين ، كان مجاهدا ، وحسب في المجاهدين ، وفي الحديث الشّريف : « من جهّز غازيا فقد غزا » . فليس لمسلم - أيّا كان حاله ووضعه في المجتمع - أن يتخلّف عن الجهاد في سبيل اللّه ، فلكلّ إنسان مكانه في المعركة ؛ إذ ليست المعركة سيف وحسب ، بل هي معركة سلاح ، وعتاد ، ومؤونة . بل هي قبل ذلك كلّه معركة مشاعر وأحاسيس ، بمعنى أنّ الأمّة كلّها ينبغي أن تكون في مواجة المعركة على شعور واحد ، ينتظم جميع أفرادها ، هو شعور مواجهة العدوّ ، والتّصدّي له ، وطلب الغلب عليه . فهذا الشّعور هو الّذي يجعل الأمّة الإسلاميّة كلّها جيشا واحدا ، يحمل السّلاح ، ويضرب في وجه العدوّ . ومناسبة هذه الآية لما قبلها ، أنّها أشبه بالتّطبيق العمليّ ، لما تكشف عنه الآيات السّابقة من نصر اللّه سبحانه وتعالى لنبيّه الكريم ، وأنّ من كان من حزب اللّه فلن يغلب أبدا ، ولو كان وحده . فليأخذ المسلمون مكانهم في الجهاد في سبيل اللّه ، فيكونوا من حزب اللّه . هذا ، ويلاحظ أنّ الدّعوة المشدّدة إلى القتال ، واستنفار المسلمين جميعا للجهاد في سبيل اللّه ، إنّما كانت إرهاصا بدعوة المسلمين إلى ابتلاء جديد ، بلقاء عدوّ جديد ، في وطن جديد ، وذلك في غزوة تبوك الّتي كانت آخر غزوة غزاها النّبيّ ، كما سنعرّض لها فيما بعد ، إن شاء اللّه . ( 5 : 778 ) مكارم الشّيرازيّ : أي جهادا مطلقا عامّا من جميع الجهات ، لأنّهم كانوا يواجهون عدوّا قويّا مستكبرا ، ولا يتحقّق النّصر إلّا بأن يجاهدوا بكلّ ما وسعهم من المال والأنفس . ( 6 : 58 ) فضل اللّه : وذلك بأن تقدّموا من ألوان الجهاد ، في ما يمثّله من تضحية وجهد ومشقّة وتعب ، ( وأنفسكم ) وذلك بأن تقفوا في خطّ المواجهة في المعركة ، لتقاتلوا ولتقتحموا على العدوّ ساحته ، وتواجهوا الخطر كلّه . ( 11 : 120 )