مجمع البحوث الاسلامية
224
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ولا أدري صحّة هذه الأقوال في السّند . أمّا المعنى فإنّ من المعلوم في الشّريعة أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يجاهد الكفّار بالسّيف على اختلاف أنواعهم ، حسب ما تقدّم بيانه . وأمّا المنافقون فكان مع علمه بهم يعرض عنهم ، ويكتفي بظاهر إسلامهم ، ويسمع أخبارهم ، فيلغيها بالبقاء عليهم وانتظار الفيئة إلى الحقّ بهم ، وإبقاء على قومهم ، لئلّا تثور نفوسهم عند قتلهم ، وحذرا من سوء الشّنعة في أن يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه . فكان لمجموع هذه الأمور يقبل ظاهر إيمانهم ، وبادئ صلاتهم ، وغزوهم ، ويكل سرائرهم إلى ربّهم ، وتارة كان يبسط لهم وجهه الكريم ، وأخرى كان يظهر التّغيير عليهم . وأمّا إقامة الحجّة باللّسان فكانت دائمة . وأمّا قول من قال : « إنّ جهاد المنافقين بإقامة الحدود فيهم ، لأنّ أكثر إصابة الحدود كانت عندهم » فإنّه دعوى لا برهان عليها ، وليس العاصي بمنافق ، إنّما المنافق بما يكون في قلبه من النّفاق كامنا ، لا بما تتلبّس به الجوارح ظاهرا ، وأخبار المحدودين يشهد مساقها أنّهم لم يكونوا منافقين . ( 2 : 977 ) الفخر الرّازيّ : وفي الآية سؤال ، وهو أنّ الآية تدلّ على وجوب مجاهدة المنافقين ، وذلك غير جائز ، فإنّ المنافق هو الّذي يستر كفره وينكره بلسانه ، ومتى كان الأمر كذلك لم يجز محاربته ومجاهدته . واعلم أنّ النّاس ذكروا أقوالا بسبب هذا الإشكال : فالقول الأوّل : أنّه الجهاد مع الكفّار وتغليظ القول مع المنافقين ، وهو قول الضّحّاك . وهذا بعيد ، لأنّ ظاهر قوله : جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ يقتضي الأمر بجهادهما معا ، وكذا ظاهر قوله : وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ راجع إلى الفريقين . القول الثّاني : أنّه تعالى لمّا بيّن للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يحكم بالظّاهر ، قال عليه السّلام : « نحن نحكم بالظّاهر » والقوم كانوا يظهرون الإسلام وينكرون الكفر ، فكانت المحاربة معهم غير جائزة . والقول الثّالث : وهو الصّحيح ، أنّ الجهاد عبارة عن بذل الجهد ، وليس في اللّفظ ما يدلّ على أنّ ذلك الجهاد بالسّيف أو باللّسان أو بطريق آخر ؟ فنقول : إنّ الآية تدلّ على وجوب الجهاد مع الفريقين ، فأمّا كيفيّة تلك المجاهدة فلفظ الآية لا يدلّ عليها ، بل إنّما يعرف من دليل آخر . وإذا ثبت هذا فنقول : دلّت الدّلائل المنفصلة على أنّ المجاهدة مع الكفّار يجب أن تكون بالسّيف ، ومع المنافقين بإظهار الحجّة تارة ، وبترك الرّفق ثانيا ، وبالانتهار ثالثا . [ إلى أن قال : ] وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها . قال القاضي : وهذا ليس بشيء ، لأنّ إقامة الحدّ واجبة على من ليس بمنافق ، فلا يكون لهذا تعلّق بالنّفاق ، ثمّ قال : وإنّما قال الحسن ذلك ، لأحد أمرين : إمّا لأنّ كلّ فاسق منافق ، وإمّا لأجل أنّ الغالب ممّن يقام عليه الحدّ في زمن الرّسول عليه السّلام كانوا منافقين . ( 16 : 134 ) نحوه النّيسابوريّ ( 10 : 130 ) ، والشّربينيّ ( 1 : 633 )