مجمع البحوث الاسلامية
218
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الْعالَمِينَ تعليل لما قبله . ( 16 : 103 ) عبد الكريم الخطيب : وهذا البلاء الّذي يحتمله المؤمنون ، وهذا الجهاد الّذي يجاهدونه في سبيل اللّه ، إنّما هو تزكية لأنفسهم ، وتطهير لقلوبهم ، وإعلاء لذواتهم . ( 10 : 404 ) مكارم الشّيرازيّ : إنّ خطّة الامتحان الإلهيّ هي الجهاد ، جهاد النّفس وهواها ، وجهاد الأعداء الألدّاء ، لحفظ الإيمان والتّقوى والطّهارة ، فهي خطّة الإنسان نفسه . [ إلى أن قال : ] يتّضح هنا من هذا البيان أنّ الجهاد لا يعني بالضّرورة جهاد العدوّ المسلّح ، بل يحمل معناه اللّغويّ الّذي يشمل كلّ أنواع السّعي والجدّ لحفظ الإيمان والتّقوى ، وتحمّل أنواع الشّدائد والمواجهات الموضعيّة للأعداء الألدّاء والحاقدين . والخلاصة أنّ جميع منافع هذا الجهاد ترجع للشّخص المجاهد نفسه ، وهو الّذي يفوز بخير الدّنيا والآخرة في جهاده ، وحتّى إذا كان المجتمع يستفيد من بركات هذا الجهاد ، فهو في مرحلة أخرى بعده . فعلى هذا ، متى ما وفّق أيّ إنسان إلى الجهاد فنال نصيبا منه ، فعليه أن يشكر اللّه على هذه النّعمة . ( 12 : 310 ) فضل اللّه : وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ لأنّ الجهاد يمثّل حركة الإرادة في مواجهة النّوازع المضادّة في الدّاخل ، في ما تشتمل عليه شخصيّة الإنسان من شهوات ورغبات ، وفي مواجهة القوى المنحرفة في الخارج ، في ما تحتويه السّاحة من أعداء ومعتدين ؛ وذلك من أجل خلق التّوازن الدّاخليّ في شخصيّة الإنسان المسلم ، بين خصائصه المادّيّة وتطلّعاته الرّوحيّة ، في ما يتطلّبه الجسد من تلبية نداء الرّغبة وإرواء ظمأ الشّهوة ، وفي ما يتطلّبه العقل والرّوح من تنظيم الحاجات ، وتحديد النّزوات ؛ وذلك هو السّبيل للحصول على طمأنينة النّفس ، وسلامة الجسد ، واستقرار الحياة ، وسعادة المصير في رحاب اللّه ، ممّا يعود بالخير على نفسه . وإذا أردنا أن ننظر إلى الجهاد الّذي يعيشه المؤمن ضدّ كلّ عوامل الفتنة والإغراء والتّهويل ، الّتي تريد إبعاده عن دينه ، وتحويله إلى مواقع الكفر ، فإنّنا سنجد في ذلك الخير كلّ الخير له ، لأنّ الثّبات على الإيمان يمثّل الثّبات على قاعدة الخير في الحياة ، من خلال الخطّ المستقيم الواحد الّذي يضمّ الحياة كلّها ، في تصوّر واحد في كلّ مجالاتها العامّة ، لتلتقي في بداياتها باللّه ، وتنتهي في نهاياتها الخيّرة السّعيدة إليه . أمّا جهاد القوى المضادّة الّتي تعمل على تأكيد سيطرة الظّلم والشّرّ والفساد ، وتتحرّك للعدوان على البلاد والعباد ، وتحمّل الكفر كعقيدة ، والبغي كمنهج حياة ، فإنّه يحقّق للحياة سلامها واستقرارها وتوازنها ، لينعكس ذلك على الإنسان خيرا وبركة ومحبّة وسلاما . وعلى ضوء هذا كان الجهاد الإنسانيّ في مواجهة عوامل الانحراف في نفسه وقوى الشّرّ في حياته حاجة إنسانيّة للاستقرار والطّمأنينة ، يجلب فيها الإنسان الخير لنفسه ، وليس حاجة إلهيّة في ما قد يتخيّله البعض من حاجة اللّه إلى عباده ، في ما يكلّفهم به من شؤون الإيمان