مجمع البحوث الاسلامية
191
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الذّاريات : 23 و 55 . 7 - لقد قورنت في هذه الآيات تهمة الجنون بتهم الكهانة والشّعر والسّحر ، فجاء في ( 47 ) قول فرعون لموسى عليه السّلام : ( ساحر أو مجنون ) وفي ( 48 ) قول أعداء الرّسل لهم : قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ وذلك لأنّهم كانوا ينكرون عبادة الآلهة ، ويصرّون على عبادة اللّه ، فرموهم بالجنون ، وكانت لهم معجزات فرموهم بالسّحر . أمّا النّبيّ عليه السّلام فأتى بالقرآن مع نظمه المعجز فرموه في ( 45 ) بأنّه شاعر مجنون ، وفي ( 48 ) بأنّه كاهن أو مجنون تشبيها للقرآن بأوراد الكهنة ، كما اتّهموه في ( 46 ) بأنّه مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ أي تعلّم القرآن من غيره . فقد جمعوا له بين الجنون وأربع تهم أخرى يتردّدون بينها شكّا منهم أو جهلا بحقيقة الأمر ، أو تنويعا في الافتراء عليه بأنّه نبيّ مرسل ، لاحظ « س ح ر » ، و « ش ع ر » ، و « ك ه ن » ، و « ع ل م » . 8 - لا تخلو تهمة الجنون في بعض هذه الآيات عن استهزاء وسخريّة له أو لموسى عليهما السّلام ، مثل ( 44 ) : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ، و ( 43 ) : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ و ( 40 ) : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ، فلاحظ النّصوص التّفسيريّة . 9 - احتمل بعضهم أنّ رميه بالجنون نشأ عما كان يظهر عليه من شبه الغشي ، حين ينزل عليه الوحي . ويردّه أنّ هذه الحالة كانت تغلبه أحيانا ، ولم يكن المشركون يعلمون بها ، مع أنّهم رموه به في بدو نزول الوحي ، كما دلّت عليه سورة القلم ، وسياق أوّلها ( 39 ) يأباه ، فلاحظ ، مع أنّ فرعون رمى موسى عليه السّلام بالجنون ، ولم يكن يرى منه هذه الحالة ، بل قال الطّوسيّ : « يموّه عليهم أنّي أسأله عن ماهيّة ( ربّ العالمين ) فيجيبني عن غير ذلك ، كما يفعل المجنون » ، ونحوه الفخر الرّازيّ وغيره ، فلاحظ . 10 - ثلاث من هذه الآيات ، وهي ( 39 و 41 و 49 ) نفي للجنون عنه عليه السّلام بلسان عاطفيّ من اللّه : ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ والباقي تهمة له أو لغيره من الأنبياء ، نقلا عن أعدائهم . 11 - قال الطّبرسيّ في ( 47 ) قول فرعون لموسى : ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ : « وفي ذلك دلالة على جهل فرعون ، لأنّ السّاحر هو اللّطيف الحيلة ؛ وذلك ينافي صفة المجنون المختلط العقل ، فكيف يوصف شخص واحد بهاتين الصّفتين ؟ ! » . ونقول : وصفه موسى بالسّاحر لما صدرت عنه من الآيات ، ولا سيّما آيتي العصا واليد البيضاء ، أمّا وصفه بالجنون لما مرّ من تمويهه على النّاس ، وكان ذلك في مواطن مختلفة ، فقال في موطن : إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ * الأعراف : 109 ، والشّعراء : 34 ، وقال في موضع آخر : ( 43 ) إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ، أمّا قوله فيه ( 47 ) : ( ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) فكلمة ( أو ) للإبهام على السّامع أو تمويه عليه ، كأنّه شاكّ في ذلك ، لاحظ نصّ البروسويّ . وقال البيضاويّ فيها : « كأنّه جعل ما ظهر عليه من الخوارق منسوبا إلى الجنّ ، وتردّد في أنّه حصل ذلك