مجمع البحوث الاسلامية

188

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ويبدو أنّ في التّعبير ب ( جنّة ) دون ( جنون ) نوعا من التّحقير ، أو التّعمية والتّحذير ، أي إنّ به جنونا مّا مجهولا وخطيرا ، لم يكن له سابقة عندنا ، فإنّ الجنون فنون ، وإليه أشار الفخر الرّازيّ ب « الجنّة : حالة من الجنون كالجلسة والرّكبة و ( من ) في ( من جنّة ) أي ليس به نوع من أنواع الجنون » ومثله البروسويّ والآلوسيّ ورشيد رضا ، فلاحظ . وأيضا ( الجنّة ) مشتركة بين الجنّ والجنون ، ففيه إشعار بإصابة الجنّ إيّاه أو تلقّيه القرآن من الجنّ ، ولا أقلّ من تداعيه ذهنا ، وهذا مزيد في التّحقير والتّوهين به عليه السّلام . 4 - جاءت ( جنّة ) بمعنى ( الجنّ ) معرفة تعريفا للجنس ، وبمعنى ( الجنون ) نكرة توهينا للشّخص ، وبمعناها ( مجنون ) كما يأتي . خامسا : جاء ( مجنون ) في 11 آية ( 39 - 49 ) من 7 سور مكّيّات تحمل أسوء وأقبح مواجهة من قبل الكفّار لدعوة الأنبياء والرّسل عليهم السّلام عامّة ، والنّبيّ عليه السّلام خاصّة ، ولم يأت هذا اللّفظ في غيرهم في القرآن ، وفيها بحوث : 1 - سبع منها جاءت بشأن النّبيّ ممّا دلّت على تأكيد المشركين في نسبة الجنون إليه دوما : ابتداء بسورة « القلم » ثانية السّور نزولا بعد سورة « العلق » - وهي أوّلها إطلاقا على القول المشهور - فواجهوه فيها بالتّكذيب والتّولّي عنه أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى - لو نزلت مع الآيات الخمس الأولى ، وهو بعيد لأنّ النّبيّ لم يبلّغها حينذاك - ثمّ باتّهامه بالجنون في « القلم » ثمّ « التّكوير » وغيرها ممّا رتّبناها حسب النّزول ليعلم سير هذه الدّعوى في القرآن . فتلهمنا الآيات : أوّلا : أنّ هذه التّهمة قديمة بدأت من قوم نوح ، ثمّ عمّت سائر الأقوام الكافرة حيال رسلهم ؛ حيث قال ( 48 ) : كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ . ثانيا : أنّ ذكر تلك الأمم جاء تفنيدا للمشركين ؛ حيث استنّوا بسنّة الأمم السّالفة ، وأنّ هذه التّهمة ليست جديدة ، إشعارا بأنّها ناشئة عن جهل وتعصّب ، وشاهدة على التّأخّر والأمّيّة ، فكلّها يرتبط بدعوة النّبيّ مآلا ، وأنّها هي المقصودة بالذّات ، كما أنّ مغزى القصص القرآنيّة للأقوام والرّسل جميعا تدعيم لدعوة النّبيّ عليه السّلام وتفنيد لمنكريه . 2 - إذا كانت سورة « القلم » أوّل ما نفى الجنون عنه عليه السّلام ، فقد جاءت فيها صدرا وذيلا آيتان بسياقين : أولاهما : خطاب من اللّه إلى النّبيّ تأمينا له من تهمة الجنون ، مؤكّدا بيمينين ، ومقارنا بنعمتين ومبشّرا بالمستقبل القريب مرّتين ، فقال : ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ * ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ فأقسم أوّلا بالقلم وبما يسطرون ، ثمّ بنعمة ربّه - لو كانت قسما كما احتمله بعضهم - ثمّ أعلن ثانيا بأنّه مأجور عند اللّه بأجر غير منقطع ، وبأنّه على خلق عظيم ، ثمّ بشّره ثالثا بأنّه سيبصر ، وأنّهم يبصرون أيّهم مفتون برذيلة الجنون . فهذا السّياق المحكم المستدلّ يرفع عنه الجنون بتاتا ، تكذيبا لزعمهم ، وتثبيتا لقلبه عن التّأثّر به .