مجمع البحوث الاسلامية
163
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الدّار الّتي أخرجهم اللّه عزّ وجلّ منها بخلاف الدّار الّتي أخرجوا إليها . وأمّا ما احتجّوا به من الآي فذلك إنّما جعله اللّه فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة ، ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد اللّه تخليده فيها ، وقد يخرج منها من قضي عليه بالفناء . وقد أجمع أهل التّأويل على أنّ الملائكة يدخلون الجنّة على أهل الجنّة ويخرجون منها ، وقد كان مفاتيحها بيد إبليس ثم انتزعت منه بعد المعصية ، وقد دخلها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة الإسراء ثمّ خرج منها ، وأخبر بما فيها وأنّها هي جنّة الخلد حقّا . وأما قولهم : إنّ الجنّة دار القدس وقد طهّرها اللّه تعالى من الخطايا فجهل منهم ؛ وذلك أنّ اللّه تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدّسة وهي الشّام . وأجمع أهل الشّرائع على أنّ اللّه تعالى قدّسها ، وقد شوهد فيها المعاصي والكفر والكذب ، ولم يكن تقديسها ممّا يمنع فيها المعاصي ، وكذلك دار القدس . قال أبو الحسن ابن بطّال : وقد حكى بعض المشايخ أنّ أهل السّنّة مجمعون على أنّ « جنّة الخلد » هي الّتي أهبط منها آدم عليه السّلام ، فلا معنى لقول من خالفهم . وقولهم : كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد ؟ ! فيعكس عليهم ويقال : كيف يجوز على آدم وهو في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد في دار الفناء ؟ ! هذا ما لا يجوز على من له أدنى مسكة من عقل ، فكيف بآدم الّذي هو أرجح الخلق عقلا ، على ما قال أبو أمامة . ( 1 : 302 ) نحوه أبو حيّان . ( 1 : 157 ) الشّربينيّ : ( الجنّة ) دار الثّواب ، لأنّ اللّام للعهد ولا معهود غيرها . ومن زعم أنّها لم تخلق بعد قال : إنّ ( الجنّة ) بستان كان بأرض فلسطين أو بين فارس وكرمان ، خلقه اللّه تعالى امتحانا لآدم ، وحمل الإهباط على الانتقال منه إلى أرض الهند ، كما في قوله تعالى : اهْبِطُوا مِصْراً البقرة : 61 . ( 1 : 49 ) صدر المتألهين : واختلفوا في أنّ الجنّة الّتي خرج منها آدم وزوجته هي بعينها الجنّة الموعودة ودار الثّواب وجنّة الخلد ؟ أم هي جنّة أخرى غيرها ؟ قال بعض العرفاء : الجنّة الّتي تكون الأرواح فيها بعد المفارقة من النّشأة الدّنياويّة غير الّتي بين الأرواح المجرّدة وبين الأجسام ، لأنّ تنزّلات الوجود ومعارجه دوريّة . والمرتبة الّتي قبل النّشأة الدّنياويّة هي من مراتب التّنزّلات ولها الأولويّة ، والّتي بعدها من مراتب المعارج ولها الأقربيّة . وأيضا الصّور الّتي تلحق الأرواح في البرزخ الأخير إنّما هي صور الأعمال ونتيجة الأفعال السّابقة في النّشأة الدّنياويّة ، بخلاف صور الجنّة الأولى ، فلا يكون كلّ منهما عين الآخر . لكنّهما تشتركان في كونهما عالما حيوانيّا وجوهرا نورانيّا ، غير متعلّق الوجود بالمادّة الظّلمانيّة ، مشتملا على أمثلة ما في العالم . وقد صرّح صاحب « الفتوحات المكّيّة » في الباب الحادي والعشرين وثلاثمائة من كتابه ، بأنّ هذا البرزخ غير الأوّل ؛ ويسمّى الأوّل بالغيب الإمكانيّ ، والثّاني بالغيب المحاليّ ، لإمكان ظهور ما في الأوّل في الشّهادة ،