مجمع البحوث الاسلامية
149
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ضارّ ، كما هو رأي الثّنويّة ، ومفعولا ( جعلوا ) ( للّه شركاء ) ، و ( الجنّ ) بدل من ( شركاء ) أو ( شركاء الجنّ ) ، و ( للّه ) متعلّق ب ( شركاء ) أو حال منه . وقرئ ( الجنّ ) بالرّفع ، كأنّه قيل : من هم ؟ فقيل : الجنّ ، وبالجرّ على الإضافة للتّبيين . ( 1 : 324 ) النّسفيّ : إن جعلت ( للّه شركاء ) مفعولي ( جعلوا ) كان ( الجنّ ) بدلا من ( شركاء ) ، وإلّا كان شُرَكاءَ الْجِنَّ مفعولين قدّم ثانيهما على الأوّل . وفائدة التّقديم استعظام أن يتّخذ للّه شريك من كان ملكا أو جنّيّا أو غير ذلك . والمعنى : أنّهم أطاعوا الجنّ فيما سوّلت لهم من شركهم ، فجعلوهم شركاء للّه . ( 2 : 26 ) أبو حيّان : والضّمير في ( وجعلوا ) عائد على الكفّار ، لأنّهم مشركون وأهل كتاب . وقيل : هو عائد على عبدة الأوثان ، والنّصارى قالت : المسيح ابن اللّه ، واليهود قالوا : عزير ابن اللّه ، وطوائف من العرب جعلوا للّه تعالى بنات الملائكة ، وبنو مدلج زعموا أنّ اللّه تعالى صاهر الجنّ فولدت له الملائكة ، وقد قيل : إنّ من الملائكة طائفة يسمّون الجنّ وإبليس منهم وهم خدم الجنّة . وقال الحسن : هذه الطّوائف كلّها أطاعوا الشّيطان في عبادة الأوثان واعتقدوا الإلهيّة فيمن ليست له ، فجعلوهم شركاء للّه في العبادة . وظاهر الكلام أنّهم جعلوا للّه شركاء الجنّ أنفسهم ، وما قاله الحسن مخالف لهذا الظّاهر ؛ إذ ظاهر كلامه أنّ الشّركاء هي الأوثان وأنّه جعلت طاعة الشّيطان ، تشريكا له مع اللّه تعالى ، إذا كان التّشريك ناشئا عن أمره وإغوائه ، وكذا قال إسماعيل الضّرير : أراد ب ( الجنّ ) إبليس أمرهم فأطاعوه . وظاهر لفظ ( الجنّ ) أنّهم الّذين يتبادر إليهم الذّهن من أنّهم قسيم الإنس ، في قوله تعالى : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ الرّحمن : 34 ، وأنّهم ليسوا الملائكة ، لقوله : ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ * قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ سبأ : 40 ، 41 ، فالآية مشيرة إلى الّذين جعلوا ( الجنّ ) شركاء للّه في عبادتهم إيّاهم ، وأنّهم يعلمون الغيب ، وكانت طوائف من العرب تفعل ذلك وتستجير بجنّ الأودية في أسفارها . [ إلى أن ذكر قول الحوفيّ والعكبريّ وأضاف : ] وما أجازاه لا يجوز ، لأنه يصّح للبدل أن يحلّ محلّ المبدل منه ، فيكون الكلام منتظما لو قلت : وجعلوا للّه الجنّ ، لم يصحّ ، وشرط البدل أن يكون على نيّة تكرار العامل على أشهر القولين ، أو معمولا للعامل في المبدل منه على قول ، وهذا لا يصحّ هنا البتّة ، كما ذكرنا . وأجاز الحوفيّ أن يكون ( شركاء ) المفعول الأوّل و ( الجنّ ) المفعول الثّاني ، كما هو ترتيب النّظم ، وأجاز أبو البقاء أن يكون ( للّه شركاء ) حالا ، وكان لو تأخّر للشّركاء . وأحسن ممّا أعربوه ما سمعت من أستاذنا العلّامة أبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزّبير الثّقفيّ يقول فيه ، قال : انتصب ( الجنّ ) على إضمار فعل جواب سؤال مقدّر ، كأنّه قيل : من جعلوا للّه شركاء ؟ قيل : الجنّ ، أي جعلوا الجنّ ، ويؤيّد هذا المعنى قراءة أبي حيوة ويزيد بن قطيب ( الجنّ ) بالرّفع ، على تقدير : هم الجنّ ، جوابا لمن