مجمع البحوث الاسلامية

126

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

بقرينة الإثم ، والآية تفريع على الآية السّابقة عليها » . ونقول : لا ريب في أنّ الآية فرع على ما قبلها فرع استثناء ، وما قبلها فرع أيضا على سابقتها فرع نتيجة ؛ حيث قال - بعد التّوصية بالوصيّة للوالدين والأقربين بالمعروف - : فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ . . . لكن لا نسلّم أنّ المراد بالجنف : الميل إلى الإثم بقرينة الإثم ، بل هو قرينة على خلافه ، وهو الخطأ ، كما سبق . رابعا : عن ابن عطيّة : قرأ من ذكرهم ( غير متجنّف ) دون ألف ، ثمّ قال : « وهي أبلغ في المعنى من ( متجانف ) لأنّ شدّ العين يقتضي مبالغة وتوغّلا في المعنى ، وثبوتا لحكمه ، و « تفاعل » إنّما هي محاكاة الشّيء والتّقريب منه ، إلى آخره » وهذا مردود بوجوه : 1 - أنّها قراءة شاذّة لم يذكرها الطّبريّ ، فلا وجه لرجحانها على القراءة المشهورة بالاجتهاد . 2 - مجرّد شدّ عين الفعل لا يقتضي المبالغة دائما ، فإنّ باب التّفعيل له معان أخرى غير التّكثير والمبالغة ، كالتّعدية والتّدرّج والسّلب والنّسبة وغيرها ، مع أنّ المبالغة هنا في نفي أدنى الجنف وأخفّه ، دون أشدّه ، فإنّ نفي الأشدّ يسمح ارتكاب الأخفّ ، ونفي الأخفّ نفي للأشدّ بالأولى مثل فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ الإسراء : 23 ، وسياق الآية يقتضي الخفّة أيضا ، حيث قال : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ أي من اضطرّ إلى حالة حرجة غير متمايل أدنى ميل إلى إثم أيّ إثم ، ولو كان قليلا تافها . وهذا يناسب المتجانف بمعنى المحاكاة والتّقريب - كما قال - دون التّشديد والمبالغة . 3 - باب « التّفاعل » له معان ، أشهرها : المشاركة ، ولا تناسب السّياق ؛ ومنها المطاوعة ، والتّدرّج ، وإظهار ما ليس في الباطن مثل تمارض ، وكلّها - ولا سيّما التّدرّج - مناسب لسياق الآية ، أي غير متمايل تمايلا شيئا فشيئا ، أو غير متطوّع لغيره ، أو غير ظاهر بمظهر المائل ، وإن لم يكن مائلا واقعا . وكلّ هذه المعاني يناسب نفي الأخفّ الّذي يتماشى مع السّياق ، ولهذا جاء كلّ من ( مخمصة ) و ( متجانف ) و ( اثم ) نكرة ، و ( من اضطرّ ) مبهمة ؛ وبذلك تبيّن أيضا بطلان قول المصطفويّ : « إنّ صيغة « التّفاعل » هنا للمداومة ، أي أن لا يكون ذلك سببا للمداومة في العمل » فإنّه لا يناسب السّياق ، مع أنّه لم يأت « التّفاعل » للمداومة . خامسا : ما جاء في بعض التّفاسير في معنى « الجنف » أن يوصي الرّجل لبني ابنه ، أو المرأة لزوج ابنتها ، أو يوصي لغير القرابة ونحوها ، بيان لمصاديق « الجنف » دون معناه ، لكنّها مناسبة للأمر بالوصيّة للوالدين والأقربين قبلها ، ولما كان شائعا بين النّاس يوم ذاك . سادسا : جملة فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ . . . تفريع على ما قبل هذه الآية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ . . . دون صدرها : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ . . . كما هو ظاهر ، ويبدو أنّ صدرها جملة معترضة ممهّدة لذيلها . [ لاحظ « ك م ل » ( أكملت ) ]