مجمع البحوث الاسلامية
829
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
هو أن يعلمهم أنّهم لو حاولوا غير الإيمان لمنعهم منه ، وحينئذ يمتنعون من فعل شيء غير الإيمان . ومثاله : أنّ أحدنا لو حصل بحضرة السّلطان وحضر هناك من حشمه الجمع العظيم ، وهذا الرّجل علم أنّه لو همّ بقتل ذلك السّلطان لقتلوه في الحال ، فإنّ هذا العلم يصير مانعا له من قصد قتل ذلك السّلطان ، ويكون ذلك سببا لكونه ملجأ إلى ترك ذلك الفعل ، فكذا هاهنا . إذا عرفت الإلجاء ، فنقول : أنّه تعالى إنّما ترك فعل هذا الإلجاء ، لأنّ ذلك يزيل تكليفهم ، فيكون ما يقع منهم كأن لم يقع . وإنّما أراد تعالى أن ينتفعوا بما يختارونه من قبل أنفسهم من جهة الوصلة إلى الثّواب ؛ وذلك لا يكون إلّا اختيارا . والجواب : أنّه تعالى أراد منهم الإقدام على الإيمان ، حال كون الدّاعي إلى الإيمان وإلى الكفر على السّويّة ، أو حال حصول هذا الرّجحان ، والأوّل تكليف ما لا يطاق ، لأنّ الأمر بتحصيل الرّجحان حال حصول الاستواء ، تكليف بالجمع بين النّقيضين ، وهو محال . وإن كان الثّاني فالطّرف الرّاجح يكون واجب الوقوع ، والطّرف المرجوح يكون ممتنع الوقوع ، وكلّ هذه الأقسام تنافي ما ذكروه من المكنة والاختيار ، فسقط قولهم بالكلّيّة ، واللّه أعلم . ( 12 : 207 ) القرطبيّ : أي لخلقهم مؤمنين وطبعهم عليه . بيّن تعالى أنّ كفرهم بمشيئة اللّه ردّا على القدريّة . وقيل المعنى : أي لأراهم آية تضطرّهم إلى الإيمان ، ولكنّه أراد عزّ وجلّ أن يثيب منهم من آمن ومن أحسن . ( 6 : 418 ) البيضاويّ : أي ولو شاء اللّه جمعهم على الهدى ، لوفّقهم للإيمان حتّى يؤمنوا ، ولكن لم تتعلّق به مشيئته ، فلا تتهالك عليه . والمعتزلة أوّلوه بأنّه لو شاء اللّه لجمعهم على الهدى بأن يأتيهم بآية ملجئة ، ولكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة . ( 1 : 308 ) أبو حيّان : أي إمّا بخلق ذلك في قلوبهم أوّلا فلا يضلّ أحد ، وإمّا بخلقه فيهم بعد ضلالهم . ودلّ هذا التّعليق على أنّه تعالى ما شاء منهم جميعهم الهدى ، بل أراد إبقاء الكافر على كفره . ( 4 : 115 ) الشّربينيّ : أي لوفّقهم له ، ولكن لم يشأ ذلك فلم يؤمنوا . ( 1 : 418 ) أبو السّعود : أي لو شاء اللّه تعالى أن يجمعهم على ما أنتم عليه من الهدى لفعله ، بأن يوفّقهم للإتيان فيؤمنوا معكم . ولكن لم يشأ لعدم صرف اختيارهم إلى جانب الهدى ، مع تمكّنهم التّامّ منه في مشاهدتهم للآيات الدّاعية إليه ، لا أنّه تعالى لم يوفّقهم له ، مع توجّههم إلى تحصيله . ( 2 : 378 ) الآلوسيّ : [ نحو أبي السّعود وأضاف : ] وقال المعتزلة : المراد لو شاء سبحانه جمعهم على الهدى لفعل ، بأن يأتيهم بآية ملجئة إليه ، لكنّه جلّ شأنه لم يفعل ذلك ، لخروجه عن الحكمة ، والحقّ ما عليه أهل السّنّة . ( 7 : 139 ) مكارم الشّيرازيّ : أي لو أراد حملهم على الاستسلام والرّضوخ لدعوتك والإيمان باللّه ، لكان على ذلك قديرا . غير أنّ الإيمان الإجباريّ لا طائل تحته ؛ إنّ خلق البشر للتّكامل مبنيّ على أساس حرّيّة الاختيار