مجمع البحوث الاسلامية

81

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ويجحدون . ( الطّبريّ 7 : 181 ) السّدّيّ : لمّا كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زهرة : إنّ محمّدا ابن أختكم ، فأنتم أحقّ من كفّ عنه ، فإنّه إن كان نبيّا لم تقاتلوه اليوم ، وإن كان كاذبا كنتم أحقّ من كفّ عن ابن أخته . قفوا هاهنا ، حتّى ألقى أبا الحكم ، فإن غلب محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم رجعتم سالمين ، وإن غلب محمّد فإنّ قومكم لا يصنعون بكم شيئا - فيومئذ سمّي الأخنس ، وكان اسمه أبيّ - فالتقى الأخنس وأبو جهل ، فخلا الأخنس بأبي جهل ، فقال : يا أبا الحكم ، أخبرني عن محمّد ؟ أصادق أم كاذب ، فإنّه ليس هاهنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا ؟ فقال أبو جهل : ويحك ، واللّه إنّ محمّدا لصادق ، وما كذب محمّد قطّ ، ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللّواء ، والحجابة والسّقاية والنّبوّة ، فماذا يكون لسائر قريش ؟ وقوله تعالى : بِآياتِ اللَّهِ : هي محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 241 ) ابن قتيبة : يريد : أنّهم كانوا لا ينسبوك إلى الكذب ولا يعرفونك به ، فلمّا جئتهم بآيات اللّه جحدوها ، وهم يعلمون أنّك صادق . والجحد يكون ممّن علم الشّيء فأنكره ، يقول اللّه عزّ وجلّ : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا النّمل : 14 . ( تأويل مشكل القرآن : 322 ) الزّمخشريّ : المعنى : أنّ تكذيبك أمر راجع إلى اللّه ، لأنّك رسوله المصدّق بالمعجزات ، فهم لا يكذّبونك في الحقيقة ، وإنّما يكذّبون اللّه بجحود آياته ، فاله عن حزنك لنفسك وإن هم كذّبوك وأنت صادق ، وليشغلك عن ذلك ما هو أهمّ وهو استعظامك بجحود آيات اللّه تعالى والاستهانة بكتابه ، ونحوه قول السّيّد لغلامه إذا أهانه بعض النّاس : إنّهم لم يهينوك وإنّما أهانوني ، وفي هذه الطّريقة قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ الفتح : 10 . وقيل : فإنّهم لا يكذّبونك بقلوبهم ولكنّهم يجحدون بألسنتهم ، وقيل : فإنّهم لا يكذّبونك لأنّك عندهم الصّادق الموسوم بالصّدق ، ولكنّهم يجحدون بآيات اللّه . وعن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يسمّى الأمين ، فعرفوا أنّه لا يكذب في شيء ولكنّهم كانوا يجحدون . وكان أبو جهل يقول : ما نكذّبك ، لأنّك عندنا صادق ، وإنّما نكذّب ما جئتنا به . ( 2 : 15 ) ابن عطيّة : يَجْحَدُونَ ، حقيقته في كلام العرب : الإنكار بعد معرفة ، وهو ضدّ الإقرار ، ومعناه على تأويل من رأى الآية في « المعاندين » مترتّب على حقيقته ، وهو قول قتادة والسّدّي وغيرهما ، وعلى قول من رأى أنّ الآية في « الكفّار » قاطبة دون تخصيص أهل العناد ، يكون في اللّفظة تجوّز ، وذلك أنّهم لمّا أنكروا نبوّته وراموا تكذيبه بالدّعوى الّتي لا تعضدها حجّة ، عبّر عن إنكارهم بأقبح وجوه الإنكار ، وهو الجحد ، تغليظا عليهم وتقبيحا لفعلهم ؛ إذ معجزاته وآياته نيّرة يلزم كلّ مفطور أن يعلمها ويقرّبها . وجميع ما في هذه التّأويلات من نفي التّكذيب إنّما هو عن اعتقادهم ، وأمّا أقوال جميعهم فمكذّبة ، إمّا له وإمّا للّذي جاء به . وكفر العناد جائز الوقوع بمقتضى النّظر ، وظواهر القرآن تعطيه ، كقوله : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها