مجمع البحوث الاسلامية
782
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وانتشاره نهارا » واختار الطّبريّ رجوعه إلى الشّمس تبعا لمن تقدّمه بحجّة أنّهم أعلم بذلك ، ونحن نوافقه جريا على السّياق لا تبعا واقتداء بمن ذكرهم ، فهل اختار أولئك هذا الوجه إلّا حفاظا للسّياق ؟ ! والعجب من الطّباطبائيّ حيث أرجع الضّمير إلى الأرض ، وحكم في ما سواها بأنّها وجوه بعيدة ! ! 3 - البروسويّ أرجع ضمير الفاعل والمفعول إلى ( النّهار ) و ( الشّمس ) ثمّ نبّه على لطيفة بلاغيّة ، وهي أنّه إسناد مجازيّ عكس ما هو الواقع ، فإنّ الشّمس هي الّتي تبسط النّهار ، وتجلّيه إطلاقا للأثر على المؤثّر لكشفه عنه ، فقال : « لمّا كان انتشار الأثر - وهو زمان ارتفاع النّهار - زمانا لانجلاء الشّمس وكان الانجلاء واقعا فيه ، أسند فعل التّجلية إليه إسنادا مجازيّا ، مثل « نهاره صائم » . ومثله جار في وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها أيضا » . 4 - تأوّل أهل التّأويل من العرفاء والمتصوّفة هذه الآية وما شابهها على حالات النّفس - وباب التّأويل واسع - فقال البروسويّ : « وفيه إشارة إلى نهار استيلاء نور الرّوح وقيام سلطانها واستواء نورها إذا جلّاها وأبرزها في غاية الظّهور ، كالنّهار عند الاستواء في تجلية الشّمس » . ونحوه قال في : وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها وغيرها فلاحظ . وقال عبد الكريم الخطيب : « فإذا غلب الرّأي على الهوى ، وأخذ الإنسان طريق الحقّ ، عاد إلى العقل سلطانه ، وتجلّت في الإنسان آيات شمسه ، فأضاءت كلّ شيء حوله » . 5 - الإسناد في وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى حقيقيّ ، لأنّه مطاوعة « جلّى » فالنّهار يتجلّى مهما كان الّذي يجلّيه : اللّه أو الشّمس . أمّا في وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى فمجازيّ - كما سبق - ولهذا لم يختلفوا في رجوع ضمير الفاعل من ( تجلّى ) إلى ( النّهار ) وإن اختلفوا في التّعبير عن معناه ، بقولهم : إذا ظهر ، إذا أضاء ، إذا أضاء فأنار وظهر للأبصار ، إذا ظهر بزوال ظلمة اللّيل ، أو تبيّن وتكشّف بطلوع الشّمس ، أو ظهر من بين ظلمة اللّيل ، أو تجلّى بضيائه وإشراقه ، أو ظهر وضوى الآفاق ، أو أظهر ما فيه من الخلق ، أو جلّى اللّيل فأذهب ظلمته . و ( تجلّى ) في كلّها لازم سوى الثّلاث الأخيرة ؛ حيث جاء فيهما ( تجلّى ) بمعنى « جلّى » ، وهذا تفسير باللّازم ، أو تجوّز في الإسناد ، كما تقدّم و ( تجلّى ) فعل ماض من « التّفعّل » وشذّت قراءة ( تتجلّى ) و ( تجلى ) من دون تفاوت في المعنى . 6 - مع اتّفاقهم على أنّ التّجلّي : ظهور النّهار ، تردّدوا في أنّه لظهور الشّمس أو لزوال اللّيل ، وهذا التّردّد ناجم عن الخلاف في وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى ما هو المغشيّ فيها كما يأتي . 7 - ( يغشى ) بخلاف ( تجلّى ) متعدّ لم يذكر مفعوله ، فقاسوها على وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها في ( 1 ) أي يغشي الشّمس أو الأرض وما فيها ، يغشاها اللّيل بظلامه كما قالوا في : وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها جلّى الشّمس أو الأرض أو الظّلمة . وترى عائشة بنت الشّاطئ أنّ القرآن في إمساكه عن ذكر متعلّق ل « يغشى » و « تجلّى » - وقد عدّت ( تجلّى ) متعدّيا - يصرفنا عن تأويل محذوف أو مقدّر ، لنلتفت