مجمع البحوث الاسلامية
717
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
شهادة باطلة ؛ إذ هي شهادة غير شاهد . والشّهادة هنا يراد بها الإقرار ، فتقول اليد : أنا فعلت كذا وكذا ، وتقول الرّجل : أنا مشيت إلى كذا وكذا ، وكذلك الجوارح الباقية تنطق مقرّة بأعمالها . فترجّح بهذا أن يكون المراد به شهادة الجوارح . وإذا أريد به الجوارح ، فلا يخلو إمّا أن يراد به الكلّ أو البعض . فإن أريد به الكلّ ، دخل تحته السّمع والبصر ، ولم يكن لتخصيصهما بالذّكر فائدة . وإن أريد به البعض ، فهو بالفرج أخصّ منه بغيره من الجوارح ، لأمرين : أحدهما : أنّ الجوارح كلّها قد ذكرت في القرآن الكريم شاهدة على صاحبها بالمعصية ما عدا الفرج ، فكان حمل الجلد عليه أولى ، ليستكمل ذكر الجميع . الآخر : أنّه ليس في الجوارح ما يكره التّصريح بذكره إلّا الفرج ، فكنّي عنه بالجلد ، لأنّه موضع يكره التّصريح فيه بالمسمّى على حقيقته . فإن قيل : إنّ تخصيص السّمع والبصر بالذّكر من باب التّفصيل ، كقوله تعالى : فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ الرّحمن : 68 ، والنّخل والرّمّان من الفاكهة . قلت في الجواب : هذا القول عليك لالك ، لأنّ النّخل والرّمّان إنّما ذكرا لتفضيل لهما في الشّكل أو في الطّعم ، والفضيلة هاهنا في ذكر الشّهادة إنّما هي تعظيم لأمر المعصية ، وغير السّمع والبصر أعظم في المعصية ، لأنّ معصية السّمع إنّما تكون في سماع غيبة ، أو في سماع صوت مزمار أو وتر ، أو ما جرى هذا المجرى . ومعصية البصر إنّما تكون في النّظر إلى محرّم ، وكلتا المعصيتين لاحدّ فيها . وأمّا المعاصي الّتي توجد من غير السّمع والبصر فأعظم ، لأنّ معصية اليد توجب القطع ، ومعصية الفرج توجب جلد مئة أو الرّجم ، وهذا أعظم ، فكان ينبغي أن تخصّ بالذّكر دون السّمع والبصر . وإذا ثبت فساد ما ذهبت إليه ، فلم يكن المراد بالجلود : إلّا الفروج خاصّة . ( القاسميّ 14 : 5197 ) الفخر الرّازيّ : ما رأيت للمفسّرين في تخصيص هذه الأعضاء الثّلاثة بالذّكر سببا وفائدة ، وأقول : لا شكّ أنّ الحواس خمسة : السّمع ، والبصر ، والشّمّ ، والذّوق ، واللّمس ، ولا شكّ أنّ آلة اللّمس هي الجلد . فاللّه تعالى ذكر هاهنا من الحواسّ وهي السّمع والبصر واللّمس ، وأهمل ذكر نوعين وهما الذّوق والشّمّ ، لأنّ الذّوق داخل في اللّمس من بعض الوجوه ، لأنّ إدراك الذّوق إنّما يتأتّى بأن تصير جلدة اللّسان والحنك مماسّة لجرم الطّعام ، فكان هذا داخلا فيه ، فبقي حسّ الشّمّ وهو حسّ ضعيف في الإنسان ، وليس للّه فيه تكليف ولا أمر ولا نهي . إذا عرفت هذا فنقول : نقل عن ابن عبّاس أنّه قال : المراد من شهادة الجلود : شهادة الفروج ، قال : وهذا من باب الكنايات ، كما قال : وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا البقرة : 235 ، وأراد النّكاح ، وقال : أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ النّساء : 43 ، والمراد قضاء الحاجة . وعن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « أوّل ما يتكلّم من الآدميّ فخذه وكفّه » . وعلى هذا التّقدير فتكون هذه الآية وعيدا شديدا في الإتيان بالزّنى ، لأنّ مقدّمة الزّنى إنّما تحصل بالكفّ ، ونهاية الأمر فيها إنّما تحصل بالفخذ . ( 14 : 116 )