مجمع البحوث الاسلامية

715

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

لحمه متناه ، فلا بدّ وأن ينفد ، وعند نفاد لحمه لا بدّ من طريق آخر في تبديل الجلد ، ولم يكن الطّريق مذكورا أوّلا ، واللّه أعلم . ( 10 : 134 ) القرطبيّ : والمعنى في الآية : تبدّل الجلود جلودا أخر . فإن قال من يطعن في القرآن من الزّنادقة : كيف جاز أن يعذّب جلدا لم يعصه ؟ قيل له : ليس الجلد بمعذّب ولا معاقب ، وإنّما الألم واقع على النّفوس ؛ لأنّها هي الّتي تحسّ وتعرف ، فتبديل الجلود زيادة في عذاب النّفوس ، يدلّ عليه قوله تعالى : لِيَذُوقُوا الْعَذابَ وقوله تعالى : كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً الإسراء : 97 . فالمقصود تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح ، ولو أراد الجلود ، لقال : ليذقنّ العذاب . [ ثمّ أدام نحو الطّبريّ ] ( 5 : 253 ) الشّوكانيّ : والمعنى أنّها كلّما احترقت جلودهم بدلّهم اللّه جلودا غيرها ، أي أعطاهم مكان كلّ جلد محترق جلدا آخر غير محترق . فإنّ ذلك أبلغ في العذاب للشّخص ، لأنّ إحساسه لعمل النّار في الجلد الّذي لم يحترق ، أبلغ من إحساسه لعملها في الجلد المحترق . وقيل : المراد بالجلود : السّرابيل الّتي ذكرها في قوله : سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ إبراهيم : 50 ، ولا موجب لترك المعنى الحقيقيّ هاهنا ، وإن جاز إطلاق الجلود على السّراويل مجازا . [ ثمّ استشهد بشعر ] ( 1 : 612 ) الآلوسيّ : أي أعطيناهم مكان كلّ جلد محترق عند احتراقه جلدا جديدا مغايرا للمحترق صورة ، وإن كانت مادّته الأصليّة موجودة ، بأن يزال عنه الإحراق ؛ فلا يراد أنّ الجلد الثّاني لم يعص فكيف يعذّب ، وذلك لأنّه هو العاصي باعتبار أصله ، فإنّه لم يبدّل إلّا صفته . وعندي أنّ هذا السّؤال ممّا لا يكاد يسأله عاقل فضلا عن فاضل ؛ وذلك لأنّ عصيان الجلد وطاعته وتألّمه وتلذّذه غير معقول ، لأنّه من حيث ذاته لا فرق بينه وبين سائر الجمادات من جهة عدم الإدراك والشّعور ، وهو أشبه الأشياء بالآلة . فيد قاتل النّفس ظلما مثلا آلة له ، كالسّيف الّذي قتل به ولا فرق بينهما ، إلّا بأنّ اليد حاملة للرّوح ، والسّيف ليس كذلك ، وهذا لا يصلح وحده سببا لإعادة اليد بذاتها وإحراقها ، دون إعادة السّيف وإحراقه ، لأنّ ذلك الحمل غير اختياريّ . فالحقّ أنّ العذاب على النّفس الحسّاسة بأيّ بدن حلّت وفي أيّ جلد كانت ، وكذا يقال في النّعيم . ويؤيّد هذا إنّ من أهل النّار من يملأ زاوية من زوايا جهنّم ، وأنّ سنّ الجهنّميّ كجبل أحد ، وأنّ أهل الجنّة يدخلونها على طول آدم عليه السّلام ستّين ذراعا في عرض سبعة أذرع . ولا شكّ أنّ الفريقين لم يباشروا الشّرّ والخير بتلك الأجسام ، بل من أنصف رأى أنّ أجزاء الأبدان في الدّنيا لا تبقى على كمّيّتها كهولة وشيوخه ، وكون الماهيّة واحدة لا يفيد ، لأنّا لم ندع فيما نحن فيه أنّ الجلد الثّاني يغاير الأوّل كمغايرة العرض للجوهر أو الإنسان للحجر ، بل كمغايرة زيد المطيع لعمرو العاصي مثلا ، على أنّه لو قيل : إنّ الكافر يعذّب أوّلا ببدن من حديد تحلّه الرّوح ، وثانيا ببدن من غيره ، كذلك لم يسغ لأحد أن يقول : إنّ الحديد لم يعص فكيف أحرق بالنّار ! ولولا ما علم من الدّين بالضّرورة من المعاد الجسمانيّ ،