مجمع البحوث الاسلامية
649
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
بمعنى « الخلق » فيتعدّى بمفعول واحد ، ومركّب بمعنى التّصيير ، فيتعدّى بمفعولين . أمّا البسيط فجاء في آيات مثل : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ الأنعام : 1 ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها الأنعام : 97 ، وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها الأعراف : 189 ، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً النّحل : 72 ، في آيات وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً الرّعد : 3 ، وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ الرّعد : 3 ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ النّحل : 78 ، في آيات ، و جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ يونس : 67 ، وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا الزّخرف : 10 ، ونحوها ، فالجعل في أمثالها ممّا جاء بمفعول واحد بمعنى الإيجاد والخلق . ولك أن تعيد جميعها إلى الجعل المركّب بأن تعتبر الغايات المذكورة فيها بمنزلة المفعول الثّاني للجعل ، فمعنى جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً يونس : 67 ، جعل اللّيل سكنا والنّهار مبصرا . والشّاهد عليه أنّ كلّا من اللّيل والنّهار فيها جاء مفعولا أوّل لفعل ( جعل ) فليكن ما بعدهما كذلك مفعولا ثانيا له . وإنّما بدلت غايات إعلاما بمنافعها لطفا ومنّة منه تعالى على العباد . وكذا ما جاء بسيطا مع ( في ) ظرفا له مثل : اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ المائدة : 20 ، جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ يوسف : 70 ، وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً الرّعد : 3 ، جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً الفرقان : 61 ، و وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ الحجّ : 78 ، ونظائرها ، فمعناها : جعل ما ذكر مستقرّا في مواضعها . ومن هذا القبيل : قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا مريم : 24 ، وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً الفرقان : 53 ، وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً النّمل : 61 ، ونحوها ممّا بدّل المفعول الثّاني فيه ظرفا ومستقرّا للجعل . وكذا ما جاء مع ( من ) مثل : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً النّحل : 72 ، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً النّحل : 80 ، فقد جعل المفعول الأوّل فيها مدخول ( من ) فمعنى جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً النّحل : 72 ، جعل النّساء - وهنّ بشر من جنسكم - أزواجا لكم ، وما جاء ملاصقا ل ( مع ) أو ( على ) مثل : الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ق : 26 ، وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً الجاثية : 23 ، فقد جعل المفعول الثّاني مدخولا لهما . ولك أن تؤولها إلى جعل الحقيقة ، كما جوّز أبو هلال في وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ النّحل : 78 ، أنّه جعلها على هذه الصّفة أي جعل السّمع سمعا والبصر بصرا . أو كما قال الطّباطبائيّ في ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ . . . المائدة : 103 : « الجعل المنفيّ متعلّق بأوصافها دون ذواتها ، فإنّ ذواتها مخلوقة للّه سبحانه عن غير شكّ ، وكذا أوصافها من جهة أنّها أوصاف فحسب ، وإنّما الّذي يقبل الإسناد إليه تعالى ونفيه هو أوصافها ، من جهة كونها مصادر لأحكام كانوا