مجمع البحوث الاسلامية
588
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
قيل : المراد بالجسد الملقى على كرسيّه ، هو سليمان نفسه لمرض امتحنه اللّه به ، وتقدير الكلام : ألقيناه على كرسيّه جسدا ، أي كجسد لا روح فيه من شدّة المرض . وفيه : أنّ حذف الضّمير من ( ألقيناه ) وإخراج الكلام على صورته الّتي في الآية الظّاهرة ، في أنّ الملقى هو الجسد ، مخلّ بالمعنى المقصود ، لا يجوز حمل أفصح الكلام فيه . ولسائر المفسّرين أقوال مختلفة في المراد من الآية ، تبعا للرّوايات المختلفة الواردة فيها . والّذي يمكن أن يؤخذ من بينها إجمالا أنّه كان جسد صبيّ له ، أماته اللّه وألقى جسده على كرسيّه ، ولقوله : ثُمَّ أَنابَ * قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي إشعار أو دلالة على أنّه كان له عليه السّلام فيه رجاء أو أمنيّة في اللّه ، فأماته اللّه سبحانه وألقاه على كرسيّه ، فنبّهه أن يفوّض الأمر إلى اللّه ويسلم له . ( 17 : 204 ) عبد الكريم الخطيب : هذه الآية هي إشارة إلى هذه الفتنة الّتي فتن بها سليمان ، وهو اشتغاله بهذا المتاع من الخيل ، وحشد هذا الجهد منه ومن حاشيته ، ورعيّته في سبيله . ففي قوله تعالى : وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً إشارة إلى أنّ اللّه سبحانه وتعالى قد فتنه بهذا المتاع الكثير الّذي ساقه إليه ، وأنّ هذا المتاع كان عبئا ثقيلا على ( كرسيّه ) أي سلطانه ، الّذي كان ينبغي أن يكون مكان النّبوّة فيه أبرز وأظهر من مقام الملك . وهذا هو السّرّ في كلمة ( جسدا ) الّذي يمثّل المتاع الدّنيويّ ، الّذي يضمّه هذا الملك . إنّ كرسيّ سليمان قد ثقل فيه ميزان الملك ، وكاد يجور على المكان الّذي ينبغي أن يكون للنّبوّة فيه الحظّ الأوفر ، والنّصيب الأوفى ! ويجوز أن يكون قوله تعالى : وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً بمعنى وألقيناه على كرسيّه جسدا ، فيكون ( جسدا ) حال ، بمعنى كائنا جسدا ، على حين أنّ روحه قد زايله في تلك الحال ، فرأى - من عالم روحه - وجوده الجسديّ قائما على الكرسيّ ملتصقا به . وهذا ما يعرف في الروحيّة الحديثة باسم « الطّرح الرّوحيّ » حيث تستطيع بعض الأرواح أن تنفصل عن أجسادها في حال اليقظة ، فيرى الإنسان بروحه عوالم كثيرة بعيدة ، ويشهد من وراء حجب المادّة الكثيفة ما يشهده عن قرب وعيان ، وممّا يشهده في حاله تلك وجوده الجسديّ . وقد يكون سليمان عليه السّلام رأى في حال من أحوال الطّرح الرّوحيّ ذاته الجسديّة ، على كرسيّ ملكه ، على حين رأى ذاته الرّوحيّة بعيدة عن هذا الكرسيّ ، فأنكر مقامه على هذا الكرسيّ ، وهو على تلك الحال الّتي انفصلت فيها ، أو كانت تنفصل عنه النّبوّة . ( 12 : 1086 ) مكارم الشّيرازيّ : وقد أورد المفسّرون والمحدّثون تفسيرات متعدّدة في هذا المجال ، أفضلها وأوضحها ما يلي : إنّ سليمان عليه السّلام كان متزوّجا من عدّة نساء ، وكان يأمل أن يرزق بأولاد صالحين شجعان ، ليساعدوه في إدارة شؤون البلاد وجهاد الأعداء ، فحدّث نفسه يوما قائلا : لأطوفنّ على نسائي كي أرزق بعدد من الأولاد ، لعلّهم يساعدونني في تحقيق أهدافي ، ولكنّه غفل عن