مجمع البحوث الاسلامية
564
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وطيب العيش في آيات متوالية ، وهي جزاء الأبرار الّذين عملوا أعمالا صالحة ، كالوفاء بالنّذر وإطعام الطّعام مسكينا ويتيما وأسيرا ، وغيرها ، إلّا أنّ الجزاء في الآية موقوف على الصّبر ، أي أنّ جملة أعمالهم الصّالحة اللّاتي شكّلت منهم جماعة الأبرار ترجع إلى صبرهم على فعل الطّاعات وترك المعاصي ، فالصّبر رأس الطّاعات ودعامتها . لاحظ : الأبرار والصّابرين في « ب ر ر » و « ص ب ر » . وأمّا ( 3 ) فجاء في حوار من اللّه مع الكفّار إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ فركّز من بين أعمالهم صبرهم عليها ، ولا سيّما على سوء اتّخاذهم سخريّة من قبل أعدائهم ، فيبدو أنّ صبرهم على هذا أشدّ من صبرهم على أعمالهم الصّالحة ، فأوقف جزاءهم على صبرهم عليه . 2 - جاء الفعل في ( 1 ) بصيغة الغائب وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا وفي ( 3 ) بصيغة المتكلّم وحده تعطّفا بهم إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا مؤكّدا ب ( إنّى ) مزيدا في إكرامهم ، ومقابلة لما نالهم من الهوان بسبب السّخريّة والضّحك من قبل أعدائهم ، فإنّها تدعو إلى جزاء الإهانة بالإكرام ، والعداء بالولاء . 3 - ذكر ( اليوم ) في ( 3 ) وهو مراد في ( 1 ) أيضا ، تسجيلا على تحقّق إكرامهم وجزاءهم في ذلك اليوم ، وهذا بدوره يزيد في الإكرام أيضا . 4 - ذيّل الجزاء في ( 3 ) بقوله : أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ بصيغة الحصر الّتي تنبئ عن بلوغ الجزاء أوجه ، ونهايته . 5 - جاء جزاء الصّابرين بأحسن أعمالهم مؤكّدا بالقسم ونون التّأكيد في ( 35 ) وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وهذا ينبئ أيضا عن بلوغ الجزاء نهايته ، وسنتداولها بالبحث ، وكلّ هذه راجعة إلى جزاء الصّابرين الفائزين بصيغة الماضي . أمّا جزاء الباغين الخاسرين بهذه الصّيغة فكما يأتي : 1 - جزى اللّه في ( 91 ) و ( 94 ) كلّا من قوم سبأ واليهود بسلب نعمائهم في حياتهم الدّنيا ، تسجيلا على توغّلهم في الرّكون إلى الدّنيا وما فيها : سبأ بسلب جنّتيهم اللّتين كانوا يرزقون من ثمارهما ، واليهود بتحريم ما كانوا يشتهون من اللّحوم عليهم . فلمّا كانت رذيلة هؤلاء في بطونهم فعاقبهم اللّه وجزاهم بما يرجع إلى بطونهم جزاء وفاقا . 2 - جاء في جزاء سبأ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ وسياق الآيات قبلها ظاهر في إرادة الكفران منها دون الكفر - كما قيل - فإنّهم لم يشكروا ما رزقهم اللّه ؛ حيث قال : كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا . . . أمّا اليهود فجزاهم ببغيهم إذ كانوا قوما باغين ، ومن جملة بغيهم : تكذيبهم ما أخبر به النّبيّ ممّا حرّم اللّه عليهم ؛ حيث قال : جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ فَإِنْ كَذَّبُوكَ . . . فقد جمعت الفريقين رذيلة الكفر والكفران ورفض الشّكر والإيمان .