مجمع البحوث الاسلامية

542

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

تعالى لا يعفو عن صاحب الكبيرة من وجهين : الأوّل : أنّ صاحب الكبيرة يستحقّ العقاب ، فوجب أن لا يكون مستحقّا للثّواب ، لأنّ الثّواب هو النّفع الدّائم الخالص عن شوب الضّرر ، والعقاب هو الضّرر الدّائم الخالص عن شوب النّفع ، والجمع بينهما محال ، وما كان ممتنع الوجود امتنع أن يحصل استحقاقه ، فإذن متى ثبت استحقاق العقاب وجب أن يزول استحقاق الثّواب . فنقول : لو عفا اللّه عن صاحب الكبيرة لكان : إمّا أن يخرجه من النّار ولا يدخله الجنّة ، وذلك باطل بالإجماع ، لأنّهم أجمعوا على أنّ المكلّفين يوم القيامة : إمّا أن يكونوا من أهل الجنّة أو من أهل النّار ، لأنّه تعالى قال : فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ الشّورى : 7 ، وإمّا أن يخرجه من النّار ويدخله الجنّة ، وذلك باطل لأنّ الجنّة حقّ المتّقين ، لقوله تعالى : كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً فجعل الجنّة لهم ومختصّة بهم ، وبيّن أنّها إنّما كانت لهم لكونها جزاء لهم على أعمالهم ، فكانت حقّا لهم ، وإعطاء حقّ الإنسان لغيره لا يجوز . ولمّا بطلت الأقسام ثبت أنّ العفو غير جائز . أجاب أصحابنا : لم لا يجوز أن يقال : المتّقون يرضون بإدخال اللّه أهل العفو في الجنّة ؟ فحينئذ لا يمتنع دخولهم فيها . الوجه الثّاني : قالوا : المتّقي في عرف الشّرع مختصّ بمن اتّقى الكفر والكبائر ، وإن اختلفنا في أنّ صاحب الكبيرة هل يسمّى مؤمنا أم لا ؟ لكنّا اتّفقنا على أنّه لا يسمّى متّقيا . ثمّ قال في وصف الجنّة : إنّها كانت لهم جزاء ومصيرا ، وهذا للحصر ، والمعنى أنّها مصير للمتّقين لا لغيرهم ، وإذا كان كذلك وجب أن لا يدخلها صاحب الكبيرة . قلنا : أقصى ما في الباب أنّ هذا العموم صريح في الوعيد فتخصّه بآيات الوعد . المسألة الثّالثة : لقائل أن يقول : إنّ الجنّة ستصير للمتّقين جزاء ومصيرا ، لكنّها بعد ما صارت كذلك ، فلم قال اللّه تعالى : كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً ؟ جوابه من وجهين : الأوّل : أنّ ما وعد اللّه فهو في تحقّقه كأنّه قد كان . والثّاني : أنّه كان مكتوبا في اللّوح ، قبل أن يخلقهم اللّه تعالى بأزمنة متطاولة : أنّ الجنّة جزاؤهم ومصيرهم . ( 24 : 59 ) 7 - وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى . النّجم : 40 ، 41 الطّوسيّ : أي يجازى على أعماله الطّاعات بأوفى ما يستحقّه من الثّواب الدّائم ، و « الهاء » في ( يجزيه ) عائدة على « السّعي » . ( 9 : 436 ) الواحديّ : ثُمَّ يُجْزاهُ يجزى الإنسان سعيه ، يقال : جزيت فلانا سعيه ، يتعدّى إلى مفعولين . ( 4 : 204 ) الزّمخشريّ : [ نحو الواحديّ وأضاف : ] ويجوز أن يكون الضّمير للجزاء ، ثمّ فسّره بقوله : الْجَزاءَ الْأَوْفى أو أبدله عنه ، كقوله تعالى : وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الأنبياء : 3 . ( 4 : 33 )