مجمع البحوث الاسلامية
524
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
فسقط الاستدلال . وأجاب أصحابنا عن هذا الجواب : بأنّ « الجزاء » إنّما سمّي جزاء ، لأنّه يجزي ويكفي في المنع من النّهي ، وفي الحثّ على المأمور به . فإن ترتّب العقاب على مجرّد ترك الواجب ، كان ذلك العقاب كافيا في الزّجر عن ذلك التّرك ، فكان جزاء ، فثبت أنّه لا سبيل إلى الامتناع من تسميته جزاء ، واللّه أعلم . ( 15 : 4 ) نحوه النّيسابوريّ . ( 9 : 49 ) أبو حيّان : [ ذكر قول ابن عطيّة ثمّ قال : ] والظّاهر أنّه استفهام بمعنى النّفي ، ولذلك دخلت ( إلّا ) ، والاستفهام الّذي هو بمعنى التّقرير هو موجب من حيث المعنى ، فيبعد دخول ( إلّا ) ولعلّه لا يجوز . ( 4 : 391 ) السّمين : [ نحو أبي حيّان ، ثمّ نقل قول الواحديّ وأضاف : ] قلت : لأنّ نفس ما كانوا يعملونه لا يجزونه ، إنّما يجزون بمقابله ، وهو واضح . ( 3 : 343 ) المراغيّ : ( لا يجزون ) إلّا جزاء ما استمرّوا على عمله من الكفر والمعاصي ، فأثّر في نفوسهم وأرواحهم حتّى دسّاها وأفسدها . فقد مضت سننه تعالى بجعل الجزاء في الآخرة أثرا للعمل مرتّبا عليه كترتيب المسبّب على السّبب ، ولا يظلم ربّك أحدا في جزائه مثقال ذرّة . ( 9 : 67 ) الطّباطبائيّ : معنى الآية ظاهر ويتحصّل منها : أوّلا : أنّ الجزاء هو نفس العمل وقد تقدّم توضيحه كرارا في أبحاثنا السّابقة . وثانيا : أنّ الحبط من الجزاء ، فإنّ الجزاء بالعمل ، وإذا كان العمل حابطا فإحباطه هو الجزاء ، والحبط إنّما يتعلّق بالأعمال الّتي فيها جهة حسن ، فتكون نتيجة إحباط الحسنات ممّن له حسنات وسيّئات أن يجزى بسيّئاته جزاء سيّئا ويجزى بحسناته بإحباطها ، فيتمحّض له الجزاء السّيّء . ويمكن أن تنزّل الآية على معنى آخر ، وهو أن يكون المراد بالجزاء : الجزاء الحسن ، وقوله : هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ كناية عن أنّهم لا يثابون بشيء ؛ إذ لا عمل من الأعمال الصّالحة عندهم لمكان الحبط ، قال تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً الفرقان : 23 ، والدّليل على كون المراد بالجزاء هو الثّواب أنّ هذا الجزاء هو جزاء الأعمال المذكورة في الآية قبلا ، والمراد بها بقرينة ذكر الحبط هي الأعمال الصّالحة . ومن هنا يظهر فساد ما استدلّ بعضهم بالآية ، على أنّ تارك الواجب من غير أن يشتغل بضدّه لا عقاب له ، لأنّه لم يعمل عملا حتّى يعاقب عليه ، وقد قال تعالى : هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ وجه الفساد أنّ المراد بالجزاء في الآية الثّواب ، والمعنى أنّهم لا ثواب لهم في الآخرة ، لأنّهم لم يأتوا بحسنة ولم يعملوا عملا يثابون عليه . على أنّ ثبوت العقاب على مجرّد ترك الأوامر الإلهيّة مع الغضّ عمّا يشتغل به من الأعمال المضادّة كالضّروريّ من كلامه تعالى ، قال اللّه عزّ وجلّ : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ الجنّ : 23 ، إلى غير ذلك من الآيات . ( 8 : 247 )